متى تعلن الصحافة التونسية الذعر من الفساد السياسي
(محمد شلبي)
هناك صحافة تجدّد وتسبق السياسيين وتواكب العلماء وهنا صحافة تجترّ المجترّ ممسكة بتلابيب السياسيين تردّد ما يقولون وتتجاهل من لهم القدرة على الإفادة والإضافة. صحيح أن الصحافة البريطانية ليست كلها الغارديان لكن صحيح أيضا ألاّ صحيفة تونسية حاولت أن تتشبّه بها. ليس الهدف المقارنة بين صحيفة الغارديان والصحافة التونسية بل بيان أن أسباب نجاح الغارديان هي نفسها التي تفسر تدني الصحافة التونسية.
ما أقدمت عليه الغارديان دروس متعددة في الممارسة الإعلامية أولها درس تبجيل مصلحة البلاد والعباد على الربح. ولا نعلم صحفا خاطبت معلنين قائلة لهم احتفظوا بأموالكم فنحن لا نريدها إذا كان ثمنها السلامة العامة والمضامين المغشوشة والكاذبة. ويأتي ذلك في وقت يعلم فيه الجميع ما تعانيه الصحافة كلها في العالم كله من صعوبات مالية خانقة.
سارت الصحيفة في نهج يثبت أنّ رباط المال والأعمال بالإعلام ليس رباطا مقدّسا كما ظنناه عقودا ولا قدرا وأنّ اللجوء إلى منوال اقتصادي غير إخضاع الإعلام للمال ممكن. وهو عودة في الواقع إلى بدايات الصحافة لمّا كان مصدر تمويلها الأساسي عائدات المبيعات، وهو رجوع إلى الأصل يكشف أن الصحافة ملك القراء لا ملك مجموعات مالية صناعية ضخمة مثل “نيوز كورب” العابرة للقارات أو “برتلسمان” الألمانية أو “بريزا” الإسبانية أو “فيفندي” الفرنسية أو “فينيفست” الإيطالية.
والدرس الثاني أنّ صحافة الجودة التي تساعد الناس على فهم الرهانات المجتمعية الحقيقية للتأقلم مع محيطهم ولممارسة مواطنتهم ممكنة، وأنّ تحقيقها يكون أيسر وأجدى كلما ابتعدت الصحافة عن مراكز النفوذ السياسي والمالي. مفهوم صحافة الجودة وممارستها مرتبطان بمبدأ المسؤولية الاجتماعية للإعلام المكملة للالتزام بالقانون والالتزام بأخلاقيات الصحافة.
ليس المطلوب من الصحافة التونسية أن تحاكي الغارديان في تغطية المسائل البيئية بل هناك مواضيع أخرى تهدّد البلاد أكثر من الانهيار البيئي الذي لا يستثني أحدا ولا بلدا. هناك موضوع الفساد السياسي مثلا منبع أنواع الفساد كلها. هو موضوع يحتاج إلى الابتكار في التشخيص وفي المعالجة كما فعلت الغارديان في موضوع الانهيار البيئي.
كان جوزيف بولتزر، أب الصحافة الحديثة، جريئا في نظرته إلى الأمر وقاسيا حد القول إن “الصحافة المرتزقة والديماغوجية صحافة وضيعة ستنتج شعبا وضيعا على قدر وضاعتها”. ربما فاته أن الشعب يصنع كذلك صحافة على مقاسه.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire