البحث عن الحقيقة
البحث عن الحقيقة - كانط الحلقة الأولى
نقد العقل الخالص والفرق بين الفكر والمعرفة.
إيمانويل كانط فيلسوف ألماني عاش في القرن الثامن عشر، وهو واحد من أكثر المفكرين تأثيرا في تاريخ الفلسفة الإنسانية. لماذا؟ لأنه لم يكتف بطرح أفكار جديدة، بل غير الطريقة التي نفكر بها في المعرفة ذاتها. قبل كانط كانت الفلسفة تسير في اتجاه معين، وبعده أخذت منعطفا لا رجعة فيه. أطلق عليه نيتشه لقب الصيني العظيم، وكان يقصد أن كلامه عسير الفهم كمن يتحدث بلغة لا تألفها الأذن. لكن لا داعي للقلق ، يمكن أن نفهم فلسفة كانط حينما نبسط مفاهيمها ، وهذا الذي سنقوم به . الفلسفة ليست حِكرا على المتخصصين، وكل فكرة عميقة يمكن أن تقال بلغة واضحة.
بدأ كانط مشروعه الفلسفي بسؤال يبدو بسيطا للوهلة الأولى: "ماذا يمكنني أن أعرف؟" تحت بساطة هذا السؤال يختبئ إشكال فلسفي بالغ العمق. فكانط لم يسأل: "ما الذي يوجد في الكون؟" بل سأل: "ما الذي يستطيع العقل البشري أن يصل إليه فعلا؟" وهذا فرق جوهري. لماذا طرح كانط هذا السؤال تحديدا؟ لأنه لاحظ أن الفلاسفة قبله كانوا يتحدثون عن أشياء لم يثبتوا يوما أنهم يعرفونها حقا.
تتبع كانط مسيرة الفلسفة منذ أرسطو وأفلاطون، فوجد أن الفلاسفة كانوا ينشغلون دائما بثلاثة موضوعات كبرى: الله - الروح - العالم بما هو كل مطلق. هذه الموضوعات الثلاثة تنتمي إلى ما يسمى بـالميتافيزيقا.
والميتافيزيقا كلمة مركبة من "ميتا" وتعني ما وراء و"فيزيقا" وتعني الطبيعة المادية. الميتافيزيقا إذن هي الدراسة التي تتجاوز ما نراه ونلمسه. تبحث فيما لا تستطيع حواسنا إدراكه كالروح، الخلود، الوجود
المطلق، الله...استاء كانط من هذا التوجه، لكنه لم يرفض الميتافيزيقا جملة وتفصيلا. وإنما رفض ما هو أن تعامل الفلاسفة معها كما لو أنها ميدان معرفة، وهي في حقيقتها لا تعدو أن تكون ميدان تفكير. هنا يكمن قلب الفلسفة الكانطية . ذلك أن كانط فرق بوضوح بين شيئين كثيرا ما نخلط بينهما وهما : المعرفة والتفكير .
المعرفة عند كانط ليست مجرد اعتقاد أو تصور ذهني، بل هي حكم مبرر ومقيد بشروط صارمة. لكي تتحقق المعرفة لا بد من توافر ثلاثة عناصر متلازمة هي : الإدراك الحسي – التجربة - العقل . المعرفة إذن هي: ما ينتج عن التقاء العقل بالتجربة، في حدود ما تستطيع الحواس إدراكه.
أما الفكر عند كانط فهو أوسع من المعرفة وأرحب منها، لكنه في الوقت ذاته أقل يقينا منها. هو قدرة العقل على تجاوز حدود التجربة والتحليق في فضاءات لا تبلغها الحواس، كالتأمل في خلود الروح أو وجود الله أو ماهية الكون. الفكر لا يحتاج إلى دليل تجريبي كي يشتغل، لهذا السبب بالضبط لا ينتج معرفة . ينتج تساؤلات وتصورات وفرضيات تظل معلقة دون أن تتحول إلى يقين.
رغم التمييز بين المعرفة والفكر ، إلا أن كانط لا يحدث بينهما قطيعة. يقر بوجود علاقة بينهما .أي أن المعرفة توجد داخل الفكر لكنها لا تملأه. كل معرفة هي فكر، لكن ليس كل فكر معرفة. الفكر هو الفضاء الأرحب، والمعرفة هي المنطقة المضاءة داخله، أما ما يحيط بها فهو ظلام التساؤل المشروع الذي لا يدعى فيه اليقين.
من هنا اهتدى كانط إلى الخطأ الذي وقع فيه الفلاسفة قبله، ذلك أنهم أضاؤوا الظلام بشموع وهمية، وسموا ذلك معرفة. لفهم هذا التصور التجريدي نقدم مثالا توضيحيا وهو كالتالي: يؤمن كثير من الناس بأن الحياة تستمر بعد الموت. هذا الاعتقاد ممكن فكريا، لأننا نستطيع أن نتصوره ونفكر فيه. لكنه مستحيل معرفيا، لأن لا أحد عاد من بعد الموت ليخبرنا، ولا حاسة من حواسنا تستطيع بلوغه. إذن خلود الروح هو موضوع فكر لا موضوع معرفة.
لتتحقق المعرفة لابد مما سماه كانط : الإدراك والتجربة . عن هذا الشرط ينتج مبدأ ضروري يمكن أن نلخصه في : "كل معرفة تبدأ بالتجربة." طبعا كل تجربة تخضع للإدراك الحسي وهو القدرة على استقبال العالم عبر الحواس: البصر، السمع، اللمس، الشم، الذوق. عند كانط، هذا الإدراك هو البوابة الإلزامية لأي معرفة حقيقية. ما لا تدركه الحواس، لا يمكن معرفته ، يمكن التفكير فيه فحسب.هذا يعني أن الأشياء التي تنتمي إلى الميتافيزيقا ، كالله والروح لا تستطيع حواسنا الوصول إليها، فلا يمكن تأسيس معرفة حقيقية بها.
من المعروف أن كانط تدرج في رؤيته الفلسفة . بدأ حياته الفكرية ديكارتيا، مؤمنا بمبدأ "أنا أفكر، إذن أنا موجود." كان ديكارت يرى أن العقل وحده ، بمعزل عن الحواس والتجربة ، هو المصدر الموثوق للمعرفة، لأن الحواس تخدعنا. لكن كانط تحول عن هذا الموقف تدريجيا، حين كتب عمله الكبير: "نقد العقل الخالص"
في هذا الكتاب أعلن صراحةً أن العقل وحده لا يكفي لتحقيق المعرفة . المعرفة الحقيقية لا تنتج من التفكير المجرد، بل تنتج من التفاعل بين العقل والتجربة معا. وبهذا وجه كانط رسالة واضحة إلى الفلاسفة الميتافيزيقيين. حيث أعاد الميتافيزيقا إلى مكانها الصحيح،وبين لهم أنها ليست علما بالحقيقة، بل فضاء للتأمل والتساؤل.كما وجه رسالة إلى الفلاسفة التجريبيين والعقلانيين وبين للجميع أن الاعتماد على التجربة وحدها لا يؤدي إلى المعرفة الحقيقية ، كما أن الاعتماد على العقل وحدة قد يسقطنا في الخطأ ، لهدا دعا إلى ضرورة الجمع بينهما من أجل معرفة حقيقية . لكن أمام كل هذا يبقى السؤال المؤرق مطروحا : هل ما أدركه هو الحقيقة ذاتها، أم مجرد الصورة التي تبدو عليها الحقيقة لي؟ هذا السؤال سيدخلنا إلى الجانب الأكثر الأكثر إثارة في فلسفة كانط . معرفة الفرق بين الشيء كما يظهر والـشيء في ذاته.نرجئ حديثنا عن هذا الجانب إلى حلقتنا القادمة . انتظرونا . (منقول)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire