النقد ليس مهنة
النقد ليس مهنة!
لم أستغربْ وأنا أسمعُ أحدَهم، ممّن يُسمّي نفسَه ناقدًا، أنَّ طريقةَ حكمِه على أيِّ مُنجَزٍ تعتمدُ على قراءةِ صفحاتٍ من بدايته، وأخرى من وسطه، ثم يختتمُ الأمرَ بصفحاتٍ من نهايته، ليُدلي بعدها بأحكامه «العظيمة» وكأنّه أحاط بالعمل إحاطةَ الخبيرِ بصناعته. غير أنّ استغرابي تضاعف حين ادّعى، أمام جمهورٍ من الأدباء الذين حضروا جلستَه، أنّه استوحى منهجه هذا من الشكلية الروسية. ولم يكتفِ بذلك، بل أعلن بثقةٍ أنّ النقدَ أصبح مهنتَه!
لقد فاته أنّ هذه المدرسة، التي ظهرت في بدايات القرن العشرين في روسيا، لم تُؤسَّس على قراءةٍ انتقائيةٍ مبتورة، ولا على أحكامٍ سريعةٍ تُقتطع من سياقها، بل جاءت ردَّ فعلٍ على النقد الانطباعي والاجتماعي الذي كان يُفسِّر الأدب بسيرة المؤلف أو بظروفه التاريخية، متغافلًا عن جوهر النص وبنيته.
إنّ المنهج الذي اعتمدته تلك المدرسة يقوم على تحليل مستويات اللغة: الصوتيِّ، والتركيبيِّ، والدلاليِّ؛ وعلى دراسة التقنيات السردية، ورصد التكرار، والانزياح، والإيقاع، وتفكيك العلاقات البنيوية داخل العمل، بحثًا عمّا يجعل النصّ أدبًا، لا مجرّد حكاية. فالنقد عندهم فعلُ قراءةٍ عميقة، لا قفزةٌ فوق الصفحات، ولا استعراضُ أحكامٍ تُطلَق من علوّ الثقة وقِلّة التمحيص.
فأين أنت، يا من تسمّي نفسك ناقدًا، من هذا كلّه؟
ومن أنتَ كي تحكمَ من صفحاتٍ معدودةٍ على مُنجَزٍ استغرق سنينَ من عمر صاحبه، وسهرًا من روحه، وقلقًا من فكره؟
إنّ النقدَ ليس مهنةً والناقد لا يمتلك دكانًا للمزايدات ولبيع وشراء الكلمة.
النقد ليست صفة تُدرَج في بطاقة تعريف؛ إنّه مسؤوليةُ معرفة، وأمانةُ قراءة، وضميرُ نصّ. ومن لم يمنح العملَ زمنَه كاملًا، فلن يمنحه العملُ سرَّه كاملًا.
(فوز حمزة)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire