vendredi 27 février 2026

النهب المقدس

 
     الحديث عن ليلى الطرابلسي ليس مجرد نبش في سيرة سيدة أولى عابرة بل هو عملية أركيولوجية في طبقات العفن السياسي الذي تراكم فوق جسد الدولة التونسية .
 انا هنا بصدد تشريح غدة سرطانية نبتت في غفلة من التاريخ بين أزقة نهج الباشا و حي الطيران الشعبي لتمد أظافرها وتخنق الجمهورية التي بناها الشعب بدموع وعرق الحداثة المشوهة.
 ليلى الطرابلسي لم تكن مجرد زوجة لجنرال هرم أصابه الخرف السياسي المبكر بل كانت هي الفيروس الارتدادي الذي أعاد تونس من عصر دولة المؤسسات إلى عصر الغزو العشائري و النهب المافيوزي المنظم حيث تحول القصر من مركز لإدارة السيادة إلى بورصة لبيع الوطن بالقطعة و مغسلة لغسل الأموال القذرة التي جمعتها عائلة الطرابلسية من عرق الجياع ودموع المظلومين في دهاليز وزارة الداخلية .
 إننا أمام مشهد سريالي تتداخل فيه الحجامة بالسياسة والجهل بالاستعلاء حيث استطاعت هذه المرأة بذكائها الغريزي المتوحش أن تحول رجل الاستخبارات القوي زين العابدين بن علي إلى مجرد خادم لنزواتها وواجهة قانونية لكارتيل عائلي لم يترك قطاعاً اقتصادياً إلا وافترسه من الطيران إلى الاتصالات ومن الموز إلى العقارات وصولاً إلى بيع الأراضي الدولية بمليم رمزي و تحويلها إلى منتجعات سياحية تدر المليارات .
هذه الجمهورية المنهوبة لم تسقط في يوم وليلة بل كانت هناك فترة حضانة بدأت منذ ذلك اللقاء المشبوه في منتصف الثمانينيات حين وقعت ليلى في قبضة الأمن كمهربة شنطة تافهة و بدلاً من أن تُساق إلى السجن سيقت إلى قلب الجنرال الذي كان يبحث عن ملاذ عاطفي بعيداً عن صرامة نعيمة الكافي و برودها الأرستقراطي .
 و من هنا ولدت الدولة الموازية في شقق المنزه السرية حيث كانت الصفقات تُعقد فوق أسرّة النوم قبل أن تُوقع في المكاتب الرسمية.
 ليلى الطرابلسي التي طاردتها وصمة الحلاقة لم تكن تصفف الشعر بل كانت تصفف الدولة التونسية على مقاس عائلتها الجائعة فبمجرد أن استقرت في قرطاج فتحت بوابات القصر لجحافل الجراد من إخوتها وأبنائهم وعلى رأسهم بلحسن الطرابلسي الذي تحول إلى نائب الملك غير المتوج ذلك الأخطبوط الذي ابتلع شركة كارتاڨو و سيطر على النقل الجوي و البحري و البنكي مستخدماً نفوذ شقيقته لانتزاع القروض من البنوك العمومية دون ضمانات في عملية سطو مسلح على المال العام لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً بينما كان عماد الطرابلسي يمثل الوجه القبيح و البلطجي لهذا النظام حيث حول ميناء رادس إلى إقطاعية خاصة لا تدخلها حاوية و لا تخرج منها بضاعة إلا بجزية تُدفع لآل الطرابلسي في ضرب عرض الحائط بكل قوانين الديوانة و السيادة الوطنية و كأن تونس تحولت إلى غنيمة حرب وزعت مغانمها بين أفراد العشيرة الذين لم يكونوا يملكون في أرصدتهم سوى الجشع و الجهل المركّب .
الصندوق الأسود لليلى الطرابلسي يفوح برائحة الفضائح التي تجاوزت حدود الوطن فالحديث عن دورها في تسريب إحداثيات اغتيال الشهيد خليل الوزير أبو جهاد في سيدي بوسعيد عام 1988 يظل جرحاً نازفاً في كرامة الدولة حيث تتقاطع المصالح الأمنية المشبوهة مع طموحات سيدة الظل التي كانت تريد تثبيت أقدامها بأي ثمن حتى لو كان الثمن دم المناضلين فوق الأرض التونسية و لم يكن هذا السلوك غريباً على امرأة لم تتردد في تدمير مدرسة بوعبدلي العريقة لأنها نافست مدرستها قرطاج الدولية و لم تتردد في سحب الجنسية من سهى عرفات و طردها بملابسها لأنها تجرأت على معارضتها في صفقة مالية .
 هذه هي ليلى دجين التي كانت تقيم الحفلات الباذخة فوق جثث الفقراء و توزّع المناصب الوزارية في صالونات التجميل حيث كان الوزراء يرتعدون من مكالمة هاتفية تأتيهم من القصر الصغير في سيدي بوسعيد أكثر مما يخشون رئيس الجمهورية لأنهم كانوا يدركون أن صك الغفران السياسي يُوقع بيد ليلى لا بيد بن علي الذي كان غارقاً في أوهام المعجزة الاقتصادية بينما كانت زوجته و إخوتها ينخرون عظام الدولة كالسوس حتى وصل الأمر إلى تحويل الدين نفسه إلى بضاعة عبر صهرها صخر الماطري الذي أنشأ مصرف الزيتونة و إذاعة الزيتونة ليكون الوجه الإسلاموي للفساد في محاولة بائسة لشرعنة النهب و تخدير الجماهير بشعارات الروحانيات بينما كانت المليارات تُهرب إلى حسابات سويسرا وكندا ولبنان .
و عندما دقت ساعة الحقيقة في 14 جانفي 2011 لم ترحل ليلى الطرابلسي بكرامة المهزوم بل رحلت بعقلية اللص الذي يسرق مخبأه الأخير قبل الهرب حيث كشفت التقارير الإستخباراتية أنها حملت معها 1.5 طن من الذهب المنهوب من البنك المركزي في عملية خيانة عظمى لمدخرات الشعب التونسي وكأنها كانت تنتقم من هذا الوطن الذي رفض استيعاب نرجسيتها المريضة .
 ليلى اليوم في منفاها الذهبي بالسعودية ليست سوى شاهدة على عصر الانحطاط العائلي و هي تحاول في مذكراتها البائسة حقيقتي أن تغسل يديها من دماء القناصة و دموع المعذبين لكن التاريخ لا يرحم الحلّاقات اللواتي حاولن لبس تيجان الملوك فوق رؤس خالية من الفكر و الإنتماء .
  ما فعلته ليلى الطرابلسي بتونس هو جريمة حضارية مكتملة الأركان حيث حطمت سلم القيم و جعلت من الولاء العشائري بديلاً عن الكفاءة الوطنية و تركت وراءها جيشاً من الطرابلسية الصغار الذين لا يزالون يعشّشون في مفاصل الإدارة .
  فضح هذا الأرشيف الأسود ليس ترفاً فكرياً بل هو ضرورة وجودية لتطهير الذاكرة الوطنية من دنس المرحلة التي صار فيها المقص أقوى من القلم وصار فيها الجاهل يحكم العالم و صارت فيها تونس مزرعة لامرأة أرادت أن تثبت للعالم أن القاع يمكن أن يحكم القمة و لكن بالخراب لا بالبناء و بالنار لا بالنور .
 كانت ليلى الطرابلسي هي المهندسة الفعلية لعملية التجريف السوسيولوجي التي تعرضت لها تونس حيث عمدت إلى ضرب كل مراكز القوى التقليدية من ٱلإتحاد العام التونسي للشغل إلى المنظمات الحقوقية مستخدمة المال الفاسد لشراء الذمم و تدجين النخب حتى تحولت قصور قرطاج إلى مسرح للدمى المتحركة حيث يُعين الوزير لأنه صديق بلحسن و يُقال المدير لأنّه رفض طلب عماد في منظومة مافيوزية كانت ليلى هي عقلها المدبر وقلبها الميت .
 إننا اليوم مطالبون بأن نقرأ هذا التاريخ بلا قفازات و أن نسمي الأشياء بمسمياتها ، ليلى الطرابلسي لم تكن سيدة أولى بل كانت رئيسة عصابة بمرتبة شرف و بن علي لم يكن دكتاتوراً وطنياً بل كان رهينة في يد عائلة لم تعرف يوماً معنى الوطن و ما حدث في تونس تحت حكمها لم يكن تنمية بل كان نهشاً منظماً في جسد حي و ما يزال التونسيون إلى اليوم يدفعون ثمن تلك الحقبة السوداء من التغول الطرابلسي التي أحرقت الأخضر و اليابس و أورثت البلاد ديوناً و فساداً أخلاقياً و سياسياً يحتاج إلى عقود من العلاج الكيميائي الثوري لاستئصاله فالتاريخ لا ينسى و الشعوب قد تغفر العجز لكنها أبداً لا تغفر الخيانة و السرقة الممنهجة تحت ستار الشرعية الزوجية المشبوهة .
ما يحدث اليوم في تونس ليس إلا صدى لانفجار ذلك الصندوق الأسود الذي حشته ليلى الطرابلسي بكل أنواع الحقد الإجتماعي والنهب الممنهج فنحن حين نتحدث عن سوسيولوجيا الحقد لدى هذه المرأة لا نتحدث عن عقدة نفسية عابرة لامرأة صعدت من القاع إلى القمة بل نتحدث عن مشروع تجريف كامل للنخبة التونسية .
 ليلى التي خرجت من مدرسة الحلاقة لم تكن ترى في الأطباء و المهندسين و أساتذة الجامعات و البورجوازية الوطنية التونسية إلا أعداء طبقيين يجب تركيعهم أو مسحهم من خارطة الوجود السياسي .
 مارست هذه المرأة انتقاماً تاريخياً ضد كل من يملك شهادة حقيقية أو فكراً مستقلاً فاستبدلت الكفاءة بالولاء للرحم وحولت الإدارة التونسية العريقة إلى مفرخة لشهادات مزورة تُمنح لأبناء عشيرتها الطرابلسية الذين لم يشموا رائحة الكتب يوماً فصار الكلوشار و الباندي مديراً عاماً وصار تاجر الشنطة وزيراً في الظل وصار الأستاذ الجامعي يرتجف أمام مكالمة من حجامة القصر.
هذا الهدم الممنهج لم يكن عبثاً بل كان ضرورة بيولوجية لبقاء النظام لأن الجهل المقدس هو الوحيد القادر على حماية السرقة المقدسة فعندما تغيب النخبة و يُستبدل العقل بالغريزة الطرابلسية يصبح الوطن مجرد وليمة تُقطع في غرف النوم و تُوزع في الموانئ حيث رأينا كيف تم إذلال كبار رجال الدولة و تحويلهم إلى خدم لنزوات إخوتها و كيف تم تحطيم مؤسسات تعليمية عريقة مثل مدرسة بوعبدلي لمجرد أنها نافست دكانها التعليمي في قرطاج في رسالة واضحة مفادها أن العلم في تونس ليلى ليس وسيلة للارتقاء بل هو امتياز عائلي يُمنح و يُسحب بقرار من الحلاقة الملكية التي أرادت إعادة صياغة الوعي التونسي على مقاس جهلها و مركبات نقصها مما أدّى إلى حالة من الإستقالة الجماعية للعقل التونسي التي ما زلنا ندفع ثمنها في تخبطنا السياسي الحالي حيث فُككت الدولة الوطنية لصالح " العصابة العائلية و صار الوطن يُدار بعقلية الكنترا و التهريب التي هي اللغة الوحيدة التي تتقنها تلك العشيرة الجائعة التي لم تشبع يوماً من نهب أحلام التونسيين .
أما إذا غصنا في أحشاء الأخطبوط المالي لهذه المنظومة فإننا ننتقل من سوسيولوجيا الحقد إلى جيوسيولوجيا النهب الممنهج الذي ربط تونس بشبكات المافيا الدولية و الجنات الضريبية من دبي إلى بنما .
ليلى الطرابلسي لم تكن تسرق من الخزينة فحسب بل كانت تسرق المستقبل عبر هندسة مالية شيطانية حولت تونس إلى غسالة أموال كبرى يديرها صهرها المدلّل صخر الماطري و شقيقها الأكبر بلحسن اللذان أسسا إمبراطوريات وهمية قائمة على الريح وعلى  ٱبتزاز المستثمرين.
 ّفي تونس ليلى لم يكن هناك قرش واحد يدخل البلاد دون أن يمر عبر فلتر العائلة حيث كانت الصفقات الكبرى في قطاع الإتصالات والنقل والسيارات تُحسم بتلفون رئاسي يخرج من غرفة ليلى ليأمر البنك المركزي بفتح اعتمادات بالمليارات لشركات واجهة لا تملك من الأصول إلا اللقب .
إننا نتحدث عن نهب تجاوز الـ 5 مليارات دولار تم تهريبها في ذروة الأزمة عبر حسابات سرية في لبنان و سويسرا و كندا مستخدمين في ذلك شبكة معقدة من المحامين الدوليين الذين كانوا يتقاضون عمولات خيالية لتأمين طريق الحرير للسرقة الطرابلسية وقد رأينا كيف تحولت بورصة تونس إلى مسرح لهزلية كبرى حيث تُرفع أسهم شركات الصهر وتُهبط أسهم المنافسين بقرار سياسي لدرجة أن صخر الماطري استطاع في ليلة وضحاها الاستيلاء على بنوك و شركات نقل كبرى عبر قروض بلا ضمانات من أموال الشعب التي أُودعت في البنوك العمومية و كأن تونس تحولت إلى صراف آلي مفتوح لشهوات العائلة التي لا تنتهي و الأنكى من ذلك هو استخدام الدين كمخدر و مغسلة للأموال عبر مصرف الزيتونة الذي لم يكن إلا محاولة لشرعنة النهب بصبغة إسلاموية تتماشى مع موجة صعود الإسلام السياسي في المنطقة آنذاك لتكتمل الدائرة بين الحجامة  و السرقة و الدجل السياسي في منظومة توتاليتارية لم تترك للمواطن التونسي إلا الفتات بينما كانت ليلى تزن ذهب البنك المركزي في موازين الحقد والرحيل محولةً الدولة إلى أطلال و الجمهورية إلى نكتة سمجة في تاريخ العرب المعاصر واليوم و نحن نفتش في هذا الأرشيف العفن ندرك أن الطرابلسية ليست مجرد عائلة سقطت ، بل هي فيروس مالي لا يزال يتحكم في مفاصل الاقتصاد الموازي و يموّل الفوضى لكي لا تشرق شمس الحقيقة على ملياراتهم النائمة في جزر بعيدةبينما يئن الشعب تحت وطأة ديون خلفتها حلاقة أرادت أن تكون ملكة فوق جثة وطن .
إن هذا التجريف الممنهج الذي قادته ليلى الطرابلسي لم يكن ليصمد يوماً واحداً لولا التحالف القذر مع طبقة من التكنوقراط و الانتهازيين الذين باعوا شرفهم المهني في سوق النخاسة الطرابلسي فكان الوزير يوقع على بيع السيادة و هو يبتسم و كان الخبير المالي يشرعن النهب العائلي بكلمات منمقة عن تشجيع الإستثمار بينما كانت الحقيقة أن تونس كانت تُسلخ وهي حية .
 ولعل شهادة عماد الطرابلسي في لحظة صدق نادرة كشفت كيف أن السيستام كان أقوى من الأشخاص و كيف أن 
آل الطرابلسي لم يكونوا إلا الوجه القبيح لمنظومة فساد تغلغلت في النخاع الشوكي للدولة مما جعل من الثورة مجرد قطع للرؤوس بينما بقيت الأطراف و الخلايا السرطانية تعمل تحت الأرض .
 ليلى التي كانت تدير غرفة عمليات الحقد والمال من سيدي بوسعيد و قرطاج تركت وراءها دستوراً غير مكتوب للفساد لا يزال الكثيرون يطبقونه اليوم بحذافيره و حوّلت المصلحة العامة إلى نكتة يتداولها السماسرة في المقاهي الفاخرة
 مما يجعلنا اليوم أمام مهمة أركيولوجية كبرى ليس لاستعادة الأموال المنهوبة فحسب بل لاستعادة شرف الدولة و كرامة المواطن التي داستها أحذية عائلة لم تكن تؤمن إلا بالقوة و الذهب و الهروب الكبير .
إن فضح عش الدبابير هذا هو السبيل الوحيد لكي لا يخرج علينا طرابلسي جديد بملابس مختلفة و خطاب منمق فالحقيقة المرة التي يجب أن يواجهها التونسيون هي أن ليلى لم تكن تحكمهم من القصر فقط بل كانت تحكمهم من خلال الخوف و الحاجة و تزييف الوعي و هو ما يجب أن ينتهي بفتح كل ملفات الصندوق الأسود وبنشر أرشيف البنك المركزي و الديوانة و الاستخبارات التي كانت شاهدة و مشاركة في الوليمة الكبرى التي أكلت لحم تونس و رمت عظامها للأجيال القادمة .
                  (الأستاذ عماد عيساوي)
     "جمهورية الحجامة و النهب المقدس : الصندوق الأسود لليلى الطرابلسي والتشريح الجنائي لدولة العصابة"

mercredi 25 février 2026

تونس أولا

 

            تونس ليست فندقاً بلا أبواب بل هي قلعة قرطاجية مسيجة بهيبة الدولة والسيادة المطلقة.
التأشيرة الإلكترونية هي صك الكرامة الذي يسبق عبور العتبة التونسية المقدسة، أسوة بكل عواصم العالم والعروبة.
من يطأ أرضنا عليه أن يحمل أمانه الصحي وتأمين تنقله كشرط وجودي لا يقبل التفاوض أو الالتفاف.
السموم المهربة عبر الحدود ليست تجارة، بل هي سلاح كيميائي يستهدف جسد التونسي ويدمر أمننا القومي.
موروثنا الثقافي هو شيفرتنا الوراثية التي لن نسمح لسماسرة التاريخ بتزويرها أو السطو عليها بكل وقاحة.
نحن بصدد تفكيك بنى التبعية لنبني عمارة تونس أولاً فوق أنقاض الوهن والارتهان للخارج.
الجغرافيا هي قدرنا العظيم ومن لا يحترم حدودنا لن يجد له مكاناً في خارطة المستقبل التي نرسمها.
دستور قرطاج العظيمة هو الكتاب المقدس السياسي والاجتماعي الجديد الذي سيقطع دابر التيه والخراب.
نحن لسنا ظاهرة فايسبوكية عابرة بل نحن الزلزال المعرفي والسياسي الذي سيعيد ترتيب البيت التونسي.
تونس أولاً هي المنهج وهي الرصاصة الأخيرة في صدر كل من يتربص بسيادتنا وأمننا الغذائي والصحي.
المستقبل لنا والأيام بيننا وبين كل من يراهن على سقوط الدولة أو استباحة هويتها القرطاجية.
انتهى زمن اللامبالاة السيادية وبدأ عصر القبضة الوطنية التي تحمي الأرض والعرض والذاكرة.
                 (الأستاذ عماد عيساوي)

lundi 23 février 2026

الكلمات التي وصلت متأخرة

 

                قصة قصيرة من روائع الأدب الروسي
           للكاتب "أنطون تشيخوف"
      فلاح عجوز حمل زوجته المريضة في المقعد الخلفي من العربة التي يجرها حصان هزيل، حملها إلى المدينة البعيدة لعلاجها.
وفي الطريق الطويل، بدأ الرجل يتحدث،
يفضفض.. كأنما يناجي نفسه، ولكنه في الوقت نفسه يواسي زوجته المريضة التي عاشت معه طوال أربعين عاما في شقاء وبؤس ومعاناة، تكد وتكدح، تساعده في الحقل، وتتحمل وحدها أعباء البيت.
الآن..
أحس أنه كان قاسيا معها طوال السنوات الماضية، وأن عليه، الآن، أن يعاملها بلطف ولين، وأن يُسمعها الكلمات الطيبة،
قال لها إنه ظلمها، وأن الحياة أيضا ظلمتها، لأنه لم يجد الوقت في حياته اليومية ليقول لها كلمة طيبة حلوة وعذبة، أو يقدم لها ابتسامة صافية رقيقة كالماء أو يعطيها لحظة حنان!
وظل الرجل يتحدث بحزن وأسى، طوال الطريق والكلمات تحفر لها في النفس البشرية.. مجرى كما يحفر الماء المتساقط على الصخر.. خطوطا غائرة. ليعوضها ـ بالكلمات ـ عما فقدته خلال الأربعين عاما الماضية من الحب والحنان ودفء الحياة الزوجية وأخذ يقدم لها الوعود بأنه سوف يحقق لها كل ما تريده وتتمناه في بقية عمرها…
عندما وصل المدينة، نزل من المقعد الأمامي ليحملها من المقعد الخلفي بين ذراعيه لأول مرة في حياته إلى الطبيب  ولكن وجدها قد فارقت الحياة.. كانت جثة باردة.. ماتت بالطريق.. ماتت قبل أن تسمع حديثه العذب الشجي!
وإلى هنا تتوقف قصة الألم، التي كتبها تشيخوف ليتركنا نحن مثل الفلاح العجوز الذي كان يناجي نفسه ولكن بعد فوات الأوان.
فالكلمات لم تعد مجدية الآن..
فقد فقدت مغزاها!
نحن لا نعرف قيمة بعضنا إلا في النهايات!
أن تقدم وردة في وقتها خيرٌ من أن تقدم كل ما تملك بعد فوات الأوان..
أن تقول كلمة جميلة في الوقت المناسب خير من أن تكتب قصيدة بعد أن تختفي المشاعر..
لا جدوى من أشياء تأتي متأخّرة عن وقتها كقُبلة اعتذار على جبين ميّت.
"لا تؤجل الأشياء الجميلة.. فقد لا تتكرر مرة أخرى."
                                                      (منقول)

dimanche 22 février 2026

أفيون السجع

 
    اسمعوني جيداً وبلا مواربة فنحن لا نجلس هنا لنحتسي الشاي ونتبادل المجاملات الأكاديمية الباردة حول عصرٍ سمّوه الانحطاط بينما كان في حقيقتكم عصر التخدير الشامل بالكلمة الموزونة والقافية الرنانة التي سكنت في جماجمكم كالمسامير الصدئة.
 هذه النصيحة المسجوعة لم تكن أدباً بل كانت بروتوكولاً جنائزياً صممه فقهاء الظلام وكتّاب الدواوين المرتجفون لضبط إيقاع هزيمتكم النفسية وتحويلكم من فاعلين تاريخيين إلى مجرد ببغاوات تلوك الحكمة ليداري كل واحد منكم عجزكم الجماعي. 
حينما ترددون اليوم «من سار على الدرب وصل»، أنتم لا ترددون حقيقة جغرافية بل ترددون مانترا صوفية سياسية صُممت لتبرير مسيركم الطويل في التيه العثماني والمملوكي حيث لا وصول إلا إلى المقصلة أو القبر لكن القافية تجعل رحلتكم مستساغة.
تأملوا معي هذا القاموس الذي ورثتموه و هذه الأغلال اللغوية التي تمنعكم من التفكير خارج المربع الذي رُسم لكم بمداد الخوف.
 انظروا إلى قولهم «القناعة كنز لا يفنى» ألا ترون فيها مؤامرة طبقية كاملة الأركان صاغها لسانٌ مسجوع ليقنع جائعكم بأن خلوّ معدته هو كنز روحي بينما تكتنز خزائن السلاطين بذهب ضرائبكم؟
 هذه الكلمات التي ترددونها لليوم في بيوتكم وشوارعكم هي بقايا طعام من مائدة الانحطاط كلمات مثل المقسوم والمنحوس والمحروس؛ فالمحروسة كانت عواصمكم التي تُنهب والمقسوم كان فتات عيشكم الذي يرميه الوالي والمنحوس هو كل من حاول منكم أن يرفع رأسه ليقول لا. السجع هنا كان يقوم بدور الشرطي السري في جملتكم العربية فهو يغلق المعنى ويمنعكم من السؤال لأن القافية تفرض عليكم التسليم بالخاتمة دون نقاش.
خذوا مثلاً تلك القاعدة الذهبية التي لا تزال تحكم صالوناتكم السياسية والاجتماعية «دارِهم ما دمت في دارهم وأرضِهم ما دمت في أرضهم»، يا له من سقوط استراتيجي مروع تغلفه موسيقى الحروف، هنا السجع يشرعن نفاقكم الكوني ويحول جبنكم إلى حكمة ديبلوماسية ويجعل من مسح الأحذية فناً أدبياً تسمونه مداراة. 
أنتم تعيشون في عصر سجع مستمر، ترددون «في التأني السلامة وفي العجلة الندامة» لتبرروا بلادتكم التاريخية أمام شعوب ركبت الصواريخ واخترقت الوراثة الجينية بينما أنتم لا تزالون تتأنون في سوق العصر تنتظرون القافية القادمة لتخبركم أن الصبر مفتاح الفرج. 
أي فرج هذا الذي يأتي لمن ينتظر خلف أبواب التاريخ الموصدة بالسجع والتبجيل؟
انظروا إلى تغلغل هذه البنية في لغتكم اليومية حين تقولون «يا قاعد يكفيك شر الحوادث»، إنها قمة الأنثروبولوجيا الانهزامية المسجوعة التي تحرضكم على الشلل والقعود خوفاً من الحوادث التي هي في الواقع فعل التاريخ.
 أنتم تلوكون كلمات الستر والعافية والرضا ليس بمعانيها الإيمانية العميقة بل بمعانيها الانحطاطية التي تعني الاختباء تحت الرادار والهروب من المواجهة والقبول بالحد الأدنى من الوجود.
 إنها لغة الأقبية التي شاعت حين غابت الشمس عن عقلكم الجمعي فاستعضتم عنها ببريق الحروف المتشابهة. 
الرفيق قبل الطريق، الجار قبل الدار، العز في العزلة..
 كلها منظومات أمنية لغوية تدعوكم للتقوقع والشك في الآخر والهروب من فضاء الفعل الجمعي إلى فضاء الخوف الفردي المقفى.
أنتم اليوم ضحايا نظام تشغيل لغوي قديم جداً، نظام تم تحديثه شكلياً بالبدلات والربطات الملونة لكنه في الداخل لا يزال يعمل بآلية السجع التي تغيب وعيكم. 
حين يخرج مسؤولكم ليقول «الأمن والأمان، والنمو والاطمئنان» هو لا يتحدث إليكم بل يسجع عليكم، يمارس عليكم ذات التنويم المغناطيسي الذي كان يمارسه شاعر البلاط في القرن السادس عشر. 
أنتم شعوب طربية بامتياز تتمايلون طرباً للجملة المسجوعة حتى لو كانت تتضمن قرار إعدامكم. 
 الكلمات التي ساعدت على بقاء هذه العقلية هي كلمات المجاملة القاتلة مثل حضرتكم وسيادتكم وأفضالكم ونوالكم وهي مفردات كانت تزيّن نصائح السجع لتخلق مسافة هائلة بين الجلاد والضحية مغلفة بالاحترام الكاذب.
الحقيقة التي لا تريدون مواجهتها هي أن السجع كان الملاذ الأخير لعقلكم المهزوم فعندما عجزتم عن صناعة الفلسفة صنعتم القافية وعندما عجزتم عن بناء المدن بنيتم قصائد من الركام اللغوي. 
أنتم لا تزالون ترددون «من تدخل فيما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه» لتخرسوا ألسنة فضولكم العلمي والسياسي وترددون السكوت سلامة لتبرروا موت ضمائركم. 
هذه ليست أمثالاً هذه كمامات لغوية منسوجة بخيوط السجع الحريرية التي تخنق فيكم روح التمرد والابتكار. 
أنتم بحاجة إلى زلزال لغوي يحطم هذه القوالب الجاهزة ويعيد لكلمتكم خشونتها وصدقها بعيداً عن رنين الأجراس الذي لم يجلب لكم سوى النوم الطويل على أرصفة الحضارات الأخرى التي تكتب تاريخها بالنثر العاري والواقعية الصادمة بينما أنتم لا تزالون تنشغلون بضبط الفاصلة على إيقاع النازلة.
أريد منكم أن تتأملوا عمق الفاجعة في كلمة البركة حين تُسحب من سياقها الروحي لتوضع في سياق السجع التبريري كقولكم «القليل مع البركة كثير»، إنها حقنة مخدرة تُعطى لفقرائكم ليرضوا بنهب رغيفهم.
 أنتم ترددون هذه الخرافات اللغوية بوعي أو ببدون وعي وتورثونها لأطفالكم في مدارسكم التي لا تزال تُقدس المحسنات البديعية على حساب المحسنات العقلية. 
عصر الانحطاط لم ينتهِ تاريخياً بل هو مستمر في حنجرة كل من يفضل منكم جمال الجملة على حقيقة الواقع وفي كل نظام سياسي يستخدم السجع الوطني ليخفي الفشل الاستراتيجي.
 أنتم شعوب مسجوعة محكومة بقافية النون والميم في خطابات الوعود التي لا تتحقق وفي نصائح عجائزكم التي تختصر العالم في جملة تبدأ بالسين وتنتهي بالعين بينما العالم الحقيقي يتحدث لغة الأرقام والنتائج التي لا تعرف السجع ولا ترحم الساجعين.
فكروا في هذا جيداً قبل أن تطلبوا نصيحة أخرى: هل تريدون الحقيقة عارية وموجعة كالمشرط أم تريدونها مسجوعة ومنمقة ككفن حريري يغطي جثة حاضركم؟
 إذا أردتم الثانية فالمكتبات مليئة بكتب الانحطاط أما إذا أردتم الأولى فعليكم أن تتعلموا كيف تكسرون إيقاع القبيلة لتسمعوا صوت التاريخ.
 فهل أنتم مستعدون لأن تفهموا أن كل قافية رددتموها في صغركم كانت قيداً يمنعكم من القفز نحو المستقبل؟
 الرهان الآن ليس على ما تقولون بل على ما تجرؤون على الصمت عنه لكي تبدأوا في التفكير بجدية بعيداً عن طنين النحل الذي يسكن لغتكم المنتهية الصلاحية.
                                     (الأستاذ: عماد عيساوي)

mercredi 18 février 2026

نجيب

 
       ما كرهوا فيك إلا ما فقدوه في أنفسهم، ولا ثاروا عليك إلا لأنك ذكَّرتهم بخيبتهم ماثلةً أمام أعينهم..
   ينظرون إليك فلا يجدون فيك إلا ما تاقت إليه نفوسهم، ولم تطله، فحسدوا، ثم أبغضوا، ثم أسرفوا في العداوة حتى أبغضوك عند الناس، وآثروا أن يُسقِطوك عوضَ أن يَرتقوا إليك..
   ولو أنهم أنصفوا، لكان الأَولى بهم أن يجعلوك قدوةً بدلَ خصيمٍ، وأن يلتمسوا فيك النور، بدلَ أن يحجبوه خشيةَ أن يفضح عتمةَ نفوسهم!
                                                       (أمل عيد)

lundi 16 février 2026

النفاق المجتمعي في الدول المتدينة

 

        لماذا لا أقبل نشر الآيات القرآنية في المواقع الاجتماعية، والتباهي بالتدين، أوالأدعية سواء كانت للهداية أو للتشفي؟
ببساطة لأننا كلنا مسلمون بالوراثة، أي ولدنا في هكذا محيط، وهكذا طقوس، وهكذا ثقافة متداولة، وكلنا نحب ديننا، كغيرنا من بني البشر، نحترمه، نعشقه كل بطريقته، هو عشنا الدافئ، كما نعشق أوطاننا التي ولدنا وترعرعنا فيها..
   ولأننا من رحم هذا التراث وهذه الأرض نعرف الكثير من النماذج البشرية التي اعتنقت النفاق واستغفال الناس البسطاء المشبعين تدينا حتى النخاع.. تراه يعزف لهم من نغمات الإيمان كل حسب براعته: هذا يناديك "حاج" والآخر يقول لك "الله يبارك لك" أو "صلي على النبي" أو يسمعك آيات قرآنية في دكانه..و..و.. لتبدو له كأنه ملاك رحمة وهو في حقيقته شيطان ليستغفلك ويسرق أموالك أو يبيعك سلعا مغشوشة.. وغير ذلك من أنواع التحيل والفساد..

  وإذا علقت بـ ههههههه على منشوراتك فأنا لا أستهزئ بالمقدس بل ههههههه موجهة لك أنت أيها المنافق.. غايتي إسقاط قناعك الخبيث..
وحتى الجمعيات الرياضية والثقافية ودور الأطفال لم تنجو من هذا الأخطبوط.. في ظاهرها عمل جمعياتي مفيد وفي خفاياها تحيل ونهب وتآمر..
بالضبط كالأحفاد الذين يقحمون صور جدهم ليستفيدوا من تاريخه النير وسمعته الطيبة لمزيد التحيل والاستثراء..
   والمصيبة الأدهى كلما أسقطت أقنعتهم بمثل هذه التحليلات ينهالون عليك سبا وشتما وتكفيرا في صفحاتهم المشبوهة مستعينين بقطيعهم الذي لا ينضب والذي أعدوه مسبقا في الغرف المظلمة لمثل هذه الهجمات..
                                    (نجيب)

dimanche 15 février 2026

كذب المستقلة

 
     إلى قناة "محمد الهاشمي الحامدي" الكاذبة، التي تسمي نفسها مستقلة، وما هي بمستقلة، بل مستعمرة بالأفكار المتخلفة والمتآمرة:
   لماذا لا تروجون للعلمانية، حيث تعدد الثقافات، سواء كانت بحزب واحد أو بتعدد الأحزاب أو بدونها، كالتي احتضنتكم، والتي بها تقدمت الشعوب والدول المتحضرة.. لماذا تصرون على الكذب.. تونس على الأقل أفضل دولة في العالم الثالث التي ترفع شعار حرية التفكير وتُدرس الفلسفة لتلاميذها منذ فجر الاستقلال، ومنذ تكوين الجمهورية الأولى.. أما حرية التعبير خارج إطارها العلماني ما هي إلا حرية التلغميج والنفاق والكذب..
  الأحزاب المتأسلمة التي جاءت بعد ثورة الياسمين، حتى اليسارية والعمالية منها، كلها نادت بتعدد الأحزاب في ظاهرها، لكن في خفاياها دكتاتورية خلافة إسلامية إرهابية مقنعة تقيد الفكر والإبداع كالكثير من الأنظمة المتخلفة.. طبعا، بقطع النظر عن الأحزاب الدينية التي وصلت إلى الحكم ولكنها حافظت على طابعها العلماني كتركيا مثلا، وغيرها.. 
لذلك أعيدها وأكررها للمرة المليون كفى كذبا على شعوبنا، التي تنطلي عليها مثل هذه المغالطات، لأنها شعوب متدينة لحد النخاع، مغيبة، مخدرة، مهمشة.. مما جعلها أرضية خصبة لترعرع الإرهاب، تعيش لعدة عقود محاصرة داخل بوطقة الانغلاق، حتى مع الذين يدعون الحداثة لتبييض القمع الديني المقيت.. لكن مع تطور الذكاء الصناعي والثورة المعلوماتية، سيشرق فجر جديد، وسيرمي بأكاذيبكم في سلة المهملات..

                                            (نجيب)

mercredi 11 février 2026

العقد الجديد


 
   في هذا الزمن التونسي المتلاطم حيث تتقاذفنا أمواج المطالب الهوجاء وتغرقنا صرخات الاستحقاق التي لا تنتهي نجد أنفسنا نقف وجهاً لوجه أمام حقيقة جيوسياسية واجتماعية مرة وهي أن الدولة التي تحولت في مخيال شبابها إلى مجرد صراف آلي أو مكتب انتداب، 
هي دولة تمشي بخطى حثيثة نحو الانتحار التاريخي،
 إذ كيف يستقيم الظل والعود أعوج وكيف يطالب المرء بقطاف ثمار شجرة لم يسقها بعرقه ولم يحرسها بسلاحه في ليل الغدر الطويل؟
 إننا نتحدث اليوم عن جيل يطالب بالقروض وبالوظيفة العمومية كحقوق مطلقة ومقدسة وهو أمر مشروع في سياق المواطنة لكنه يغفل عمداً أو جهلاً عن الركن الركين في العقد الاجتماعي الذي صاغه كبار المنظرين من روسو إلى هوبز،
 والذي يقضي بأن الحق هو ثمرة الواجب وأن السيادة لا تُمنح للمتفرجين بل لمن يصنعون درع الوطن وسيفه.
 ومن هنا ينبثق مقترحي الذي أعتبره الرجة الوطنية الكبرى. وهي ضرورة إخضاع كل شاب يطالب بدولة الرفاه لضريبة الدم والعرق من خلال تجنيد إجباري لا يقل عن سنتين،
 لا ليكون مجرد رقم في ثكنة بل ليكون نواة في مشروع انبعاث قومي يدمج التدريب العسكري القاسي بالتكوين المهني الاستراتيجي ليتخرج من بوابة الجيش إنساناً جديداً منضبطاً تقنياً ومقاتلاً وهو وحده من يملك شرعية التقدم إلى خزائن الدولة ليطلب تمويلاً أو منصباً لأنه ببساطة قدم سنداً سيادياً ممهوراً بسنتين من عمره في سبيل البقاء.
إن المقارنة مع المحيط العربي والجوار الإقليمي تضعنا أمام مرآة كاشفة فبينما نجد دولاً كالجارة الجزائر أو مصر قد جعلت من الخدمة العسكرية بطاقة عبور للحياة العامة لا يمكن الالتفاف عليها نجد أن التراخي في تونس قد خلق نوعاً من المواطنة الرخوة التي تكتفي بالاحتجاج وتفتقر لروح المبادرة والانضباط الميداني.
   فالمجند في تلك الدول لا يتعلم الرماية فحسب بل يتعلم كيف يدير الأزمات وكيف يكون جزءاً من جيش الاحتياط الذي يمثل العمق الاستراتيجي للدولة ضد الكوارث الطبيعية والحروب الهجينة التي لم تعد مجرد خيال علمي بل واقعاً يطرق أبواب المتوسط.
 ومن هذا المنطلق، فإنني أطرح رؤية الدولة القوية التي لا تعطي قروضاً لتشتري بها سكوت الشباب بل تستثمر في الرجولة الوطنية لتصنع جيشاً من الاحتياطيين المدربين الذين يشكلون حائط الصد الأول ضد أي غزو أو وباء أو انهيار مناخي.
 هكذا فقط يتحول الشاب من باحث عن لقمة باردة إلى شريك في السيادة الوطنية حيث يصبح كل قرض تمنحه الدولة هو استثمار في كادر عسكري سابق منضبط سوسيولوجياً ومؤهل تقنياً مما يضمن أن هذه الأموال لن تذهب هباءً في مشاريع هشة بل ستكون وقوداً لاقتصاد يحرسه أبناؤه الذين عرفوا قيمة الأرض من خلال مرارة التخندق في ترابها وحلاوة الانتصار تحت رايتها.
 وهي معادلة لا يفهمها إلا السياسيون الوطنين الذين يدركون أن بناء الأمم لا يتم عبر المنشورات الحكومية بل عبر صياغة الشخصية القومية في أفران المؤسسة العسكرية ليكون الجيش هو الجامعة الكبرى التي تخرج مواطنين لا رعايا ومقاتلين لا متسولين على أعتاب الإدارات والوزارات.
إن ما أقترحه ليس مجرد إجراء إداري بل هو مانيفستو لجمهورية ثالثة تقوم على أنقاض العجز حيث يتم ربط المسار المهني بالمسار النضالي وحيث ترفض الدولة أن تكون بقرة حلوباً لمن لم يحمل يوماً معولاً أو بندقية.
فالتحديات القادمة من خلف الحدود ومن جوف الأرض تتطلب شعباً مسلحاً بالوعي والخبرة وجيش احتياط ممتد في كل ضيعة ومصنع ومكتب يكون هو الضامن الحقيقي للاستقرار ضد كل المخاطر.
 وبدون هذا العقد الجديد الذي يضع التجنيد أولاً سنظل ندور في حلقة مفرغة من المطالب التي لا تنتهي والدولة التي تضعف يوماً بعد يوم.
 هذه دعوة للعودة إلى الجذور الصارمة لبناء الدول حيث يسبق الواجب الحق وحيث تُصان الكرامة الوطنية بساعد الشباب الذي تعود على خشونة العيش قبل نعومة القروض وبذلك فقط نغلق باب الفوضى ونفتح باب النهضة الحقيقية التي لا تستجدي أحداً بل تفرض نفسها بقوة السلاح وقوة العمل وقوة الانضباط وهي الثلاثية المقدسة التي لا يمكن لأي أمة أن تعبر التاريخ بدونها وإلا ستبقى مجرد،
غبار بشري تذروه الرياح عند أول منعطف جيوسياسي خطير.
                               (الأستاذ: عماد عيساوي)

mardi 10 février 2026

تحريك الوعي

 

      في كل عصر كانت هناك خرافات... لكن خرافات اليوم ترتدي بدلة علم، وتتحدث بثقة، وتحصد آلاف المشاهدات.
اليوم يُخبرك أحدهم أن الذكاء الصناعي روح إنسان انتقلت إلى جهاز، وغدا سيُقنعك أن الحقيقة مؤامرة، وأن الوهم هو المعرفة.
المشكلة ليست في القصة بحد ذاتها، إنما في عقل تعب من التفكير، فصار يبحث عن الإثارة بدل الفهم، والإنسان الذي يخاف من العلم، يهرب إلى الغموض، ويهرع  للكسل عن المعرفة، يؤمن بأي صوت عالٍ.
في زمن المعلومات، لم يعد الخطر هو الجهل، بل الجهل الذي نتلقاه ونؤمن أنه معرفة.
كلما كان الشيء غريبا صدقوه.
وكلما كان منطقيا تجاهلوه.
هكذا تُصنع الأساطير الجديدة، 
لا بالمعجزات بل بالعقول التي توقفت عن السؤال.
الوعي اليوم ليس أن تعرف كل شيء… بل أن تشك قبل أن تُصفق، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان، ليس أن يُخدع، بل أن يحب الخدعة.
أخطر كذبة في هذا العصر ليست ما يُقال لك، بل أنك توقفت عن التفكير وبدأت تُصدق ما يُدهشك.
لم يعد العالم خطيرا بسبب الكذب بل بسبب عقول تُفضل الإثارة على الحقيقة، فعندما يتوقف العقل عن السؤال…
يبدأ الوهم في إدارة الواقع.
عندما يعجز العقل عن فهم الواقع المعقّد يهرب إلى قصص أبسط، حتى لو كانت خيالية.
فأخطر نظريات المؤامرة، ليست التي تكشف أسرارا، بل التي تجعل الناس تهرب من فهم الحقيقة، ونحن لا نعيش أسوأ زمن،نحن نعيش زمنا فيه معلومات بلا فهم، أصوات بلا معرفة، ثقة بلا وعي، كل شيء متاح، إلا التمييز للأسف.
لكن السرعة كشفت العقول، وهذا ليس زمن الانحدار، هذا زمن الفرز، العقول الحقيقية ترتفع، والبقية يذوبون في الضجيج.
فأنا لا أكتب أفكاراً بل أحرك وعياً بقدر ما أستطيع.
                                             (🖋خالدة غوشه)

lundi 9 février 2026

تونس والصندوق اللعين

 

        إن ما أسميه دكتاتورية الكفاءة ليس ترفاً فكرياً أو خياراً من بين خيارات. بل هو قدرٌ جراحي لا مفر منه لانتزاع تونس من مخالب الغوغاء والسماسرة الذين حولوا الديمقراطية إلى خمارة سياسية كبرى يسكبون فيها خمر الجهل في رؤوس الجماهير المغيبة، فكل انتخابات جرت في هذا البلد منذ فجر الخراب الذي سميتموه انتقالاً كانت مجرد مبايعة جماعية للفشل وشرعنةً للرداءة تحت غطاء الصندوق اللعين.
 ذلك الصندوق الذي تحول إلى مصفاة مقلوبة ترفع الحثالة إلى السطح وتطمر العقول في القاع. حيث أصبح البرلمان سيركاً للمهرجين والبلديات إقطاعيات قذرة يُباع فيها الرصيف والكرامة في مزاد علني والمنظمات الوطنية الكبرى تحولت إلى ديناصورات متخاربة تمارس الابتزاز الوجودي ضد الدولة وتعيش على امتصاص دماء المستقبل باسم النضال المزعوم بينما هي في الحقيقة ليست سوى عصابات بيروقراطية تخشى العقل التقني كما تخشى الشياطين ضوء الفجر.
      دكتاتورية الكفاءة التي أطرحها اليوم هي فاشية عقلانية ضرورية لسحق هذا العبث تبدأ بتأميم الصناديق وإخضاع كل من تسول له نفسه الترشح لمنصب عام سواء كان بلدياً أو تشريعياً أو نقابياً لمقصلة الاختبار المعرفي الصارم..
 فلا مكان في جمهورية الأداء لمسؤول لا يفرق بين الميزانية والميزان ولا مكان لبرلماني لا يفهم لغة الأرقام والجيوسياسة بل يجب أن يكون الترشح مهنة شاقة تتطلب رخصة علمية وهندسية لا تمنحها الأحزاب المتعفنة بل تمنحها مجالس الحكماء والتقنيين الذين لا يرحمون.
حيث تتحول الانتخابات من سوق عكاظ للخطب الجوفاء إلى مناظرة تقنية كبرى حول كيفية تحويل الجغرافيا التونسية إلى ماكينة إنتاج جبارة.
فنحن بحاجة إلى دكتاتور جماعي من المهندسين والخبراء والماليين الذين يحكمون بالخوارزمية لا بالولاء وبالنتائج لا بالشعارات، يسحقون البيروقراطية اللعينة بقرارات لا تقبل النقاش ويحولون البلديات من أوكار للكسل والرشوة إلى وحدات إنتاج رقمية تخضع لرقابة القمر الصناعي والمعيار العالمي.
 فمن لا ينجح في تحويل شارعه إلى نموذج للحداثة خلال ستة أشهر يجب أن يُرمى في مزبلة التاريخ، لا أن يُعاد انتخابه باسم الشرعية الكاذبة.
أقولها بصراحة تامة، إن شرعية الإنجاز هي الشرعية الوحيدة المعترف بها في منطق التاريخ.
 أما شرعية الصندوق في مجتمع ينخره الجهل فهي مجرد خيانة عظمى مقنعة فالدولة ليست جمعية خيرية لإيواء الفاشلين سياسياً.
 بل هي شركة مساهمة كبرى يجب أن يُديرها الأذكى والأقوى والأكثر انضباطاً وهذا يقتضي بالضرورة تجميد كل المنظمات التي تعرقل سير الماكينة وإجبارها على الانخراط في منطق الإنتاج أو الزوال.
فالوطن لا يتحمل مديونية الغباء أكثر من ذلك.. والسيادة الوطنية التي يتشدق بها الجهلة لا تُصنع في الميكروفونات بل تُصنع في المعامل والمختبرات والمزارع الكبرى التي تُدار بعقل دكتاتورية الكفاءة التي لا تعرف العاطفة ولا تؤمن بأنصاف الحلول لأن أنصاف الحلول هي التي أوصلتنا إلى هذا القاع النتن.
      وتونس اليوم تحتاج إلى صدمة كهربائية تعيد ترتيب الخلايا العصبية للدولة وتطرد الرعاع السياسي من مفاصل القرار وتضع تونس فوق سكة الجمهورية الثالثة.
جمهورية العقل والنتائج والحساب العسير حيث الكرامة هي قوة الدينار ونظافة الشارع وهيبة المؤسسة.
وليذهب ديمقراطيو الورق إلى الجحيم فالتاريخ لا يكتبه إلا من امتلك جرأة البتر وتونس اليوم بحاجة لبتر كامل لكل أطرافها المصابة بغرغرينا التوافقات الرخيصة والانتخابات العبثية التي لم تجلب لنا إلا الخراب المقنن والفقر المشرعن.
 هذا ليس قانوناً بالمعنى التقليدي البائس الذي تلوكه ألسنة الحقوقيين في الغرف المظلمة بل هو صكّ الوفاة الرسمي لكل من يتاجر بالعجز تحت مسمى التمثيل الشعبي.
 وهو المقصلة التقنية التي سننصبها لإعلان نهاية زمن الغوغائية الانتخابية وبداية عصر سيادة الكفاءة.
                                 (الأستاذ: عماد عيساوي)

dimanche 8 février 2026

الاستنزاف الحقيقي

 

      العالم لن يتوقف عن الركض. الإنسان الحقيقي هو من ينجو بروحه قبل أن يضيع في عصر السرعة وبطء الروح.
لم يعد الإنسان في هذا العصر يعاني من بطء الحياة، بل من سرعتها التي تجاوزت قدرته على الشعور.
كل شيء يتحرك بسرعةالأخبار، الأحداث، الآراء، المخاوف، وحتى القلق نفسه. العالم يركض بلا توقف، والإنسان يركض معه، لكن أرواحنا لم تُخلق لهذه السرعة.
نستيقظ على العالم قبل أن نستيقظ على أنفسنا، نفتح أعيننا على شاشة، وعقولنا على توتر جديد.، خبر عاجل، توقع مقلق، تحليل متشائم، تحليلات سخيفه لا يتقبلها طفل، تريندات كاذبه... وكأن الهدوء أصبح حالة نادرة في زمن الامتلاء. لقد أصبح الإنسان يعيش في حالة استنفار مستمر،
حتى في الأوقات التي لا يحدث فيها شيء.
المشكلة ليست في كثرة الأحداث، بل في أن الإنسان لم يعد يمنح نفسه وقتاً ليهضم الحياة. تتراكم المعلومات،
تتراكم المخاوف، تتراكم الصور والانطباعات، بينما الروح تسير بسرعة أبطأ بكثير، وحين يركض الخارج أسرع من الداخل، يظهر ذلك الشعور الغامض تعب بلا سبب، قلق بلا مبرر واضح، وضيق لا يعرف الإنسان مصدره، وكثرة المعرفة لم تصنع طمأنينة، وكثرة المتابعة لم تمنح سيطرة، بل جعلت الإنسان يشعر أنه يحمل العالم كله داخل رأسه، لقد أصبح يرى كل شيء، لكنه لم يعد يرى نفسه.في عصر السرعة، لم تعد المشكلة أن الوقت لا يكفي، بل أن الروح لا تجد لحظة واحدة لتلحق بالحياة، الوقت لم يتغير، لكننا أدخلنا إلى عقولنا في يوم واحد كماً من المعلومات يفوق ما كان يعيشه الإنسان في شهور.
نستهلك آلاف الصور والأخبار،
بينما لا نحتاج منها إلا القليل، 
لهذا نشعر أن الأيام تتبخر،
لأن وعينا ممتلئ، وحياتنا فارغة من الحضور.
الزمن لا يسرع، نحن الذين نضيع أعمارنا داخل الشاشات،
وهنا يبدأ الاستنزاف الحقيقي.
ليس استنزاف الجسد، بل استنزاف الشعور حين تتحول الأيام إلى تدفق مستمر من الأحداث، يصبح الإنسان حاضرا في كل مكان وغائبا عن نفسه.
والأخطر من ذلك، أن هذا الإرهاق أصبح طبيعيا والقلق أصبح عادة، والتوتر أصبح جزءاً من الوعي، والهدوء أصبح يُفسّر على أنه انسحاب أو ضعف، لكن الحقيقة مختلفة.
الإنسان لا يحتاج أن يواكب كل ما يحدث، بل يحتاج أن يحمي المساحة التي يعيش فيها بسلام، فالقوة ليست في متابعة العالم بلا توقف بل في القدرة على التوقف دون خوف، أن نصمت قليلا، أن نبتعد عن الضجيج، أن لا نعرف كل شيء،
أن نعود إلى أنفسنا، فهذا ليس هروبا من الواقع، بل عودة إلى إنسانيتنا.
العالم سيستمر في السرعة،
لكن الروح لا تُشفى بالركض.
وفي هذا الزمن المتسارع،
لم تعد الحكمة في أن تعيش بسرعة العالم، بل في أن تحافظ على إيقاع روحك الخاص.
فالكلمات  التي تخرج من الصدق، لا تبحث عن الانتشار،
بل تجد طريقها إلى القلوب وحدها.
                                          (🖋خالدة غوشه)

vendredi 6 février 2026

الصوت الذي يواسي نفسه

 

    حين أتعب، أشتهي فقط أن أخلع ثقل الأيام عن كتفي، أن أستند ولو قليلًا، لكنني كلما مددت يدي للراحة تذكّرت أنني اليد ذاتها التي تمسح التعب..
أتذكر أنني، وفي أقصى هشاشتي، كنت دائمًا العمود الأخير، والظهر السامق، والصوت الذي يواسي نفسه ويهدهد الانهيار كي يتراجع، لكني رغم ذلك محاصرة بالكثير منه، حتى الجدار الأخير..
حين أتعب، أحتاج من يفعل لي شيئًا، أحتاج من يقول: «اتركي الأمر لي»، غير أني في كل مرة أجمع شتات قلبي، وأسوي كل الأشياء التي لم أتركها لأحد، لأضمدها بيديّ، يديّ المتعبتين..
مُرهِقٌ أن تكوني الملاذ الوحيد، أن تتمني الغياب ساعة فتجدي نفسكِ مطالَبةً بالحضور الكامل. مُرهِقٌ أن تتمني أن تحتوَي، فتكتشفي أنكِ من صنعتِ الاحتواء وزينتِه بالود والعطف والحنان والألفة، ككعكة أعددتِها بحبٍ، وأخرجتها ساخنةً من الفرن لصغاركِ، بينما الصقيع يزحف إلى أصابعكِ، فلا يترك لكِ إلا الرجفة..
أُتقن دور المنقذة حتى أنسى أنني كنت يومًا بحاجة للنجاة، وأُجيد ترتيب الفوضى من حولي، بينما فوضاي تُؤرشف، وتُترك لي لحين ينام الجميع. وحين أضع رأسي أخيرًا، لا أجد وسادة لأفكاري، ولا أجد يدًا إلا تلك التي تعبت من التربيت على أكتاف التعب..
أتقاسم نفسي نصفين: نصفًا يبتسم ويُجيد الطمأنة، ونصفًا يجلس منكفئًا، يعدّ الشقوق في صدري..
أتحايل على التحمل، وأسميه نُضجًا، وأسمي التعب صبرًا، وأسمي الوحدة قوة واكتفاء… إلى أن تختلط المُسميات، ولا أعود أعرف إن كنت قوية لأنني صامدة، أم صامدة لأن لا خيار لدي..
في قاع هذا الإنهاك، أحتاج أن أضع حِملي أرضًا دون أن أُسأل «لماذا تخلّيتِ». أحتاج أن أكون إنسانة فقط… لا ملجأ، ولا عمودًا، ولا ظهرًا، ولا حِضنًا، وأخاف لأني أعرف في داخلي أن القوة التي أنقذتني كل مرة ليست حكمًا أبديًا..
مرهق أن أكون قوية أكثر مما يجب، لأني حين أحتاج الراحة قليلًا أكون أنا الواجب المحكوم عليه بألا يسقط أبدًا!
                                        (أمل عيد)

Pages

Membres