dimanche 8 février 2026

الاستنزاف الحقيقي

 

      العالم لن يتوقف عن الركض. الإنسان الحقيقي هو من ينجو بروحه قبل أن يضيع في عصر السرعة وبطء الروح.
لم يعد الإنسان في هذا العصر يعاني من بطء الحياة، بل من سرعتها التي تجاوزت قدرته على الشعور.
كل شيء يتحرك بسرعةالأخبار، الأحداث، الآراء، المخاوف، وحتى القلق نفسه. العالم يركض بلا توقف، والإنسان يركض معه، لكن أرواحنا لم تُخلق لهذه السرعة.
نستيقظ على العالم قبل أن نستيقظ على أنفسنا، نفتح أعيننا على شاشة، وعقولنا على توتر جديد.، خبر عاجل، توقع مقلق، تحليل متشائم، تحليلات سخيفه لا يتقبلها طفل، تريندات كاذبه... وكأن الهدوء أصبح حالة نادرة في زمن الامتلاء. لقد أصبح الإنسان يعيش في حالة استنفار مستمر،
حتى في الأوقات التي لا يحدث فيها شيء.
المشكلة ليست في كثرة الأحداث، بل في أن الإنسان لم يعد يمنح نفسه وقتاً ليهضم الحياة. تتراكم المعلومات،
تتراكم المخاوف، تتراكم الصور والانطباعات، بينما الروح تسير بسرعة أبطأ بكثير، وحين يركض الخارج أسرع من الداخل، يظهر ذلك الشعور الغامض تعب بلا سبب، قلق بلا مبرر واضح، وضيق لا يعرف الإنسان مصدره، وكثرة المعرفة لم تصنع طمأنينة، وكثرة المتابعة لم تمنح سيطرة، بل جعلت الإنسان يشعر أنه يحمل العالم كله داخل رأسه، لقد أصبح يرى كل شيء، لكنه لم يعد يرى نفسه.في عصر السرعة، لم تعد المشكلة أن الوقت لا يكفي، بل أن الروح لا تجد لحظة واحدة لتلحق بالحياة، الوقت لم يتغير، لكننا أدخلنا إلى عقولنا في يوم واحد كماً من المعلومات يفوق ما كان يعيشه الإنسان في شهور.
نستهلك آلاف الصور والأخبار،
بينما لا نحتاج منها إلا القليل، 
لهذا نشعر أن الأيام تتبخر،
لأن وعينا ممتلئ، وحياتنا فارغة من الحضور.
الزمن لا يسرع، نحن الذين نضيع أعمارنا داخل الشاشات،
وهنا يبدأ الاستنزاف الحقيقي.
ليس استنزاف الجسد، بل استنزاف الشعور حين تتحول الأيام إلى تدفق مستمر من الأحداث، يصبح الإنسان حاضرا في كل مكان وغائبا عن نفسه.
والأخطر من ذلك، أن هذا الإرهاق أصبح طبيعيا والقلق أصبح عادة، والتوتر أصبح جزءاً من الوعي، والهدوء أصبح يُفسّر على أنه انسحاب أو ضعف، لكن الحقيقة مختلفة.
الإنسان لا يحتاج أن يواكب كل ما يحدث، بل يحتاج أن يحمي المساحة التي يعيش فيها بسلام، فالقوة ليست في متابعة العالم بلا توقف بل في القدرة على التوقف دون خوف، أن نصمت قليلا، أن نبتعد عن الضجيج، أن لا نعرف كل شيء،
أن نعود إلى أنفسنا، فهذا ليس هروبا من الواقع، بل عودة إلى إنسانيتنا.
العالم سيستمر في السرعة،
لكن الروح لا تُشفى بالركض.
وفي هذا الزمن المتسارع،
لم تعد الحكمة في أن تعيش بسرعة العالم، بل في أن تحافظ على إيقاع روحك الخاص.
فالكلمات  التي تخرج من الصدق، لا تبحث عن الانتشار،
بل تجد طريقها إلى القلوب وحدها.
                                          (🖋خالدة غوشه)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres