النهب المقدس
الحديث عن ليلى الطرابلسي ليس مجرد نبش في سيرة سيدة أولى عابرة بل هو عملية أركيولوجية في طبقات العفن السياسي الذي تراكم فوق جسد الدولة التونسية .
انا هنا بصدد تشريح غدة سرطانية نبتت في غفلة من التاريخ بين أزقة نهج الباشا و حي الطيران الشعبي لتمد أظافرها وتخنق الجمهورية التي بناها الشعب بدموع وعرق الحداثة المشوهة.
ليلى الطرابلسي لم تكن مجرد زوجة لجنرال هرم أصابه الخرف السياسي المبكر بل كانت هي الفيروس الارتدادي الذي أعاد تونس من عصر دولة المؤسسات إلى عصر الغزو العشائري و النهب المافيوزي المنظم حيث تحول القصر من مركز لإدارة السيادة إلى بورصة لبيع الوطن بالقطعة و مغسلة لغسل الأموال القذرة التي جمعتها عائلة الطرابلسية من عرق الجياع ودموع المظلومين في دهاليز وزارة الداخلية .
إننا أمام مشهد سريالي تتداخل فيه الحجامة بالسياسة والجهل بالاستعلاء حيث استطاعت هذه المرأة بذكائها الغريزي المتوحش أن تحول رجل الاستخبارات القوي زين العابدين بن علي إلى مجرد خادم لنزواتها وواجهة قانونية لكارتيل عائلي لم يترك قطاعاً اقتصادياً إلا وافترسه من الطيران إلى الاتصالات ومن الموز إلى العقارات وصولاً إلى بيع الأراضي الدولية بمليم رمزي و تحويلها إلى منتجعات سياحية تدر المليارات .
هذه الجمهورية المنهوبة لم تسقط في يوم وليلة بل كانت هناك فترة حضانة بدأت منذ ذلك اللقاء المشبوه في منتصف الثمانينيات حين وقعت ليلى في قبضة الأمن كمهربة شنطة تافهة و بدلاً من أن تُساق إلى السجن سيقت إلى قلب الجنرال الذي كان يبحث عن ملاذ عاطفي بعيداً عن صرامة نعيمة الكافي و برودها الأرستقراطي .
و من هنا ولدت الدولة الموازية في شقق المنزه السرية حيث كانت الصفقات تُعقد فوق أسرّة النوم قبل أن تُوقع في المكاتب الرسمية.
ليلى الطرابلسي التي طاردتها وصمة الحلاقة لم تكن تصفف الشعر بل كانت تصفف الدولة التونسية على مقاس عائلتها الجائعة فبمجرد أن استقرت في قرطاج فتحت بوابات القصر لجحافل الجراد من إخوتها وأبنائهم وعلى رأسهم بلحسن الطرابلسي الذي تحول إلى نائب الملك غير المتوج ذلك الأخطبوط الذي ابتلع شركة كارتاڨو و سيطر على النقل الجوي و البحري و البنكي مستخدماً نفوذ شقيقته لانتزاع القروض من البنوك العمومية دون ضمانات في عملية سطو مسلح على المال العام لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً بينما كان عماد الطرابلسي يمثل الوجه القبيح و البلطجي لهذا النظام حيث حول ميناء رادس إلى إقطاعية خاصة لا تدخلها حاوية و لا تخرج منها بضاعة إلا بجزية تُدفع لآل الطرابلسي في ضرب عرض الحائط بكل قوانين الديوانة و السيادة الوطنية و كأن تونس تحولت إلى غنيمة حرب وزعت مغانمها بين أفراد العشيرة الذين لم يكونوا يملكون في أرصدتهم سوى الجشع و الجهل المركّب .
الصندوق الأسود لليلى الطرابلسي يفوح برائحة الفضائح التي تجاوزت حدود الوطن فالحديث عن دورها في تسريب إحداثيات اغتيال الشهيد خليل الوزير أبو جهاد في سيدي بوسعيد عام 1988 يظل جرحاً نازفاً في كرامة الدولة حيث تتقاطع المصالح الأمنية المشبوهة مع طموحات سيدة الظل التي كانت تريد تثبيت أقدامها بأي ثمن حتى لو كان الثمن دم المناضلين فوق الأرض التونسية و لم يكن هذا السلوك غريباً على امرأة لم تتردد في تدمير مدرسة بوعبدلي العريقة لأنها نافست مدرستها قرطاج الدولية و لم تتردد في سحب الجنسية من سهى عرفات و طردها بملابسها لأنها تجرأت على معارضتها في صفقة مالية .
هذه هي ليلى دجين التي كانت تقيم الحفلات الباذخة فوق جثث الفقراء و توزّع المناصب الوزارية في صالونات التجميل حيث كان الوزراء يرتعدون من مكالمة هاتفية تأتيهم من القصر الصغير في سيدي بوسعيد أكثر مما يخشون رئيس الجمهورية لأنهم كانوا يدركون أن صك الغفران السياسي يُوقع بيد ليلى لا بيد بن علي الذي كان غارقاً في أوهام المعجزة الاقتصادية بينما كانت زوجته و إخوتها ينخرون عظام الدولة كالسوس حتى وصل الأمر إلى تحويل الدين نفسه إلى بضاعة عبر صهرها صخر الماطري الذي أنشأ مصرف الزيتونة و إذاعة الزيتونة ليكون الوجه الإسلاموي للفساد في محاولة بائسة لشرعنة النهب و تخدير الجماهير بشعارات الروحانيات بينما كانت المليارات تُهرب إلى حسابات سويسرا وكندا ولبنان .
و عندما دقت ساعة الحقيقة في 14 جانفي 2011 لم ترحل ليلى الطرابلسي بكرامة المهزوم بل رحلت بعقلية اللص الذي يسرق مخبأه الأخير قبل الهرب حيث كشفت التقارير الإستخباراتية أنها حملت معها 1.5 طن من الذهب المنهوب من البنك المركزي في عملية خيانة عظمى لمدخرات الشعب التونسي وكأنها كانت تنتقم من هذا الوطن الذي رفض استيعاب نرجسيتها المريضة .
ليلى اليوم في منفاها الذهبي بالسعودية ليست سوى شاهدة على عصر الانحطاط العائلي و هي تحاول في مذكراتها البائسة حقيقتي أن تغسل يديها من دماء القناصة و دموع المعذبين لكن التاريخ لا يرحم الحلّاقات اللواتي حاولن لبس تيجان الملوك فوق رؤس خالية من الفكر و الإنتماء .
ما فعلته ليلى الطرابلسي بتونس هو جريمة حضارية مكتملة الأركان حيث حطمت سلم القيم و جعلت من الولاء العشائري بديلاً عن الكفاءة الوطنية و تركت وراءها جيشاً من الطرابلسية الصغار الذين لا يزالون يعشّشون في مفاصل الإدارة .
فضح هذا الأرشيف الأسود ليس ترفاً فكرياً بل هو ضرورة وجودية لتطهير الذاكرة الوطنية من دنس المرحلة التي صار فيها المقص أقوى من القلم وصار فيها الجاهل يحكم العالم و صارت فيها تونس مزرعة لامرأة أرادت أن تثبت للعالم أن القاع يمكن أن يحكم القمة و لكن بالخراب لا بالبناء و بالنار لا بالنور .
كانت ليلى الطرابلسي هي المهندسة الفعلية لعملية التجريف السوسيولوجي التي تعرضت لها تونس حيث عمدت إلى ضرب كل مراكز القوى التقليدية من ٱلإتحاد العام التونسي للشغل إلى المنظمات الحقوقية مستخدمة المال الفاسد لشراء الذمم و تدجين النخب حتى تحولت قصور قرطاج إلى مسرح للدمى المتحركة حيث يُعين الوزير لأنه صديق بلحسن و يُقال المدير لأنّه رفض طلب عماد في منظومة مافيوزية كانت ليلى هي عقلها المدبر وقلبها الميت .
إننا اليوم مطالبون بأن نقرأ هذا التاريخ بلا قفازات و أن نسمي الأشياء بمسمياتها ، ليلى الطرابلسي لم تكن سيدة أولى بل كانت رئيسة عصابة بمرتبة شرف و بن علي لم يكن دكتاتوراً وطنياً بل كان رهينة في يد عائلة لم تعرف يوماً معنى الوطن و ما حدث في تونس تحت حكمها لم يكن تنمية بل كان نهشاً منظماً في جسد حي و ما يزال التونسيون إلى اليوم يدفعون ثمن تلك الحقبة السوداء من التغول الطرابلسي التي أحرقت الأخضر و اليابس و أورثت البلاد ديوناً و فساداً أخلاقياً و سياسياً يحتاج إلى عقود من العلاج الكيميائي الثوري لاستئصاله فالتاريخ لا ينسى و الشعوب قد تغفر العجز لكنها أبداً لا تغفر الخيانة و السرقة الممنهجة تحت ستار الشرعية الزوجية المشبوهة .
ما يحدث اليوم في تونس ليس إلا صدى لانفجار ذلك الصندوق الأسود الذي حشته ليلى الطرابلسي بكل أنواع الحقد الإجتماعي والنهب الممنهج فنحن حين نتحدث عن سوسيولوجيا الحقد لدى هذه المرأة لا نتحدث عن عقدة نفسية عابرة لامرأة صعدت من القاع إلى القمة بل نتحدث عن مشروع تجريف كامل للنخبة التونسية .
ليلى التي خرجت من مدرسة الحلاقة لم تكن ترى في الأطباء و المهندسين و أساتذة الجامعات و البورجوازية الوطنية التونسية إلا أعداء طبقيين يجب تركيعهم أو مسحهم من خارطة الوجود السياسي .
مارست هذه المرأة انتقاماً تاريخياً ضد كل من يملك شهادة حقيقية أو فكراً مستقلاً فاستبدلت الكفاءة بالولاء للرحم وحولت الإدارة التونسية العريقة إلى مفرخة لشهادات مزورة تُمنح لأبناء عشيرتها الطرابلسية الذين لم يشموا رائحة الكتب يوماً فصار الكلوشار و الباندي مديراً عاماً وصار تاجر الشنطة وزيراً في الظل وصار الأستاذ الجامعي يرتجف أمام مكالمة من حجامة القصر.
هذا الهدم الممنهج لم يكن عبثاً بل كان ضرورة بيولوجية لبقاء النظام لأن الجهل المقدس هو الوحيد القادر على حماية السرقة المقدسة فعندما تغيب النخبة و يُستبدل العقل بالغريزة الطرابلسية يصبح الوطن مجرد وليمة تُقطع في غرف النوم و تُوزع في الموانئ حيث رأينا كيف تم إذلال كبار رجال الدولة و تحويلهم إلى خدم لنزوات إخوتها و كيف تم تحطيم مؤسسات تعليمية عريقة مثل مدرسة بوعبدلي لمجرد أنها نافست دكانها التعليمي في قرطاج في رسالة واضحة مفادها أن العلم في تونس ليلى ليس وسيلة للارتقاء بل هو امتياز عائلي يُمنح و يُسحب بقرار من الحلاقة الملكية التي أرادت إعادة صياغة الوعي التونسي على مقاس جهلها و مركبات نقصها مما أدّى إلى حالة من الإستقالة الجماعية للعقل التونسي التي ما زلنا ندفع ثمنها في تخبطنا السياسي الحالي حيث فُككت الدولة الوطنية لصالح " العصابة العائلية و صار الوطن يُدار بعقلية الكنترا و التهريب التي هي اللغة الوحيدة التي تتقنها تلك العشيرة الجائعة التي لم تشبع يوماً من نهب أحلام التونسيين .
أما إذا غصنا في أحشاء الأخطبوط المالي لهذه المنظومة فإننا ننتقل من سوسيولوجيا الحقد إلى جيوسيولوجيا النهب الممنهج الذي ربط تونس بشبكات المافيا الدولية و الجنات الضريبية من دبي إلى بنما .
ليلى الطرابلسي لم تكن تسرق من الخزينة فحسب بل كانت تسرق المستقبل عبر هندسة مالية شيطانية حولت تونس إلى غسالة أموال كبرى يديرها صهرها المدلّل صخر الماطري و شقيقها الأكبر بلحسن اللذان أسسا إمبراطوريات وهمية قائمة على الريح وعلى ٱبتزاز المستثمرين.
ّفي تونس ليلى لم يكن هناك قرش واحد يدخل البلاد دون أن يمر عبر فلتر العائلة حيث كانت الصفقات الكبرى في قطاع الإتصالات والنقل والسيارات تُحسم بتلفون رئاسي يخرج من غرفة ليلى ليأمر البنك المركزي بفتح اعتمادات بالمليارات لشركات واجهة لا تملك من الأصول إلا اللقب .
إننا نتحدث عن نهب تجاوز الـ 5 مليارات دولار تم تهريبها في ذروة الأزمة عبر حسابات سرية في لبنان و سويسرا و كندا مستخدمين في ذلك شبكة معقدة من المحامين الدوليين الذين كانوا يتقاضون عمولات خيالية لتأمين طريق الحرير للسرقة الطرابلسية وقد رأينا كيف تحولت بورصة تونس إلى مسرح لهزلية كبرى حيث تُرفع أسهم شركات الصهر وتُهبط أسهم المنافسين بقرار سياسي لدرجة أن صخر الماطري استطاع في ليلة وضحاها الاستيلاء على بنوك و شركات نقل كبرى عبر قروض بلا ضمانات من أموال الشعب التي أُودعت في البنوك العمومية و كأن تونس تحولت إلى صراف آلي مفتوح لشهوات العائلة التي لا تنتهي و الأنكى من ذلك هو استخدام الدين كمخدر و مغسلة للأموال عبر مصرف الزيتونة الذي لم يكن إلا محاولة لشرعنة النهب بصبغة إسلاموية تتماشى مع موجة صعود الإسلام السياسي في المنطقة آنذاك لتكتمل الدائرة بين الحجامة و السرقة و الدجل السياسي في منظومة توتاليتارية لم تترك للمواطن التونسي إلا الفتات بينما كانت ليلى تزن ذهب البنك المركزي في موازين الحقد والرحيل محولةً الدولة إلى أطلال و الجمهورية إلى نكتة سمجة في تاريخ العرب المعاصر واليوم و نحن نفتش في هذا الأرشيف العفن ندرك أن الطرابلسية ليست مجرد عائلة سقطت ، بل هي فيروس مالي لا يزال يتحكم في مفاصل الاقتصاد الموازي و يموّل الفوضى لكي لا تشرق شمس الحقيقة على ملياراتهم النائمة في جزر بعيدةبينما يئن الشعب تحت وطأة ديون خلفتها حلاقة أرادت أن تكون ملكة فوق جثة وطن .
إن هذا التجريف الممنهج الذي قادته ليلى الطرابلسي لم يكن ليصمد يوماً واحداً لولا التحالف القذر مع طبقة من التكنوقراط و الانتهازيين الذين باعوا شرفهم المهني في سوق النخاسة الطرابلسي فكان الوزير يوقع على بيع السيادة و هو يبتسم و كان الخبير المالي يشرعن النهب العائلي بكلمات منمقة عن تشجيع الإستثمار بينما كانت الحقيقة أن تونس كانت تُسلخ وهي حية .
ولعل شهادة عماد الطرابلسي في لحظة صدق نادرة كشفت كيف أن السيستام كان أقوى من الأشخاص و كيف أن
آل الطرابلسي لم يكونوا إلا الوجه القبيح لمنظومة فساد تغلغلت في النخاع الشوكي للدولة مما جعل من الثورة مجرد قطع للرؤوس بينما بقيت الأطراف و الخلايا السرطانية تعمل تحت الأرض .
ليلى التي كانت تدير غرفة عمليات الحقد والمال من سيدي بوسعيد و قرطاج تركت وراءها دستوراً غير مكتوب للفساد لا يزال الكثيرون يطبقونه اليوم بحذافيره و حوّلت المصلحة العامة إلى نكتة يتداولها السماسرة في المقاهي الفاخرة
مما يجعلنا اليوم أمام مهمة أركيولوجية كبرى ليس لاستعادة الأموال المنهوبة فحسب بل لاستعادة شرف الدولة و كرامة المواطن التي داستها أحذية عائلة لم تكن تؤمن إلا بالقوة و الذهب و الهروب الكبير .
إن فضح عش الدبابير هذا هو السبيل الوحيد لكي لا يخرج علينا طرابلسي جديد بملابس مختلفة و خطاب منمق فالحقيقة المرة التي يجب أن يواجهها التونسيون هي أن ليلى لم تكن تحكمهم من القصر فقط بل كانت تحكمهم من خلال الخوف و الحاجة و تزييف الوعي و هو ما يجب أن ينتهي بفتح كل ملفات الصندوق الأسود وبنشر أرشيف البنك المركزي و الديوانة و الاستخبارات التي كانت شاهدة و مشاركة في الوليمة الكبرى التي أكلت لحم تونس و رمت عظامها للأجيال القادمة .
(الأستاذ عماد عيساوي)
"جمهورية الحجامة و النهب المقدس : الصندوق الأسود لليلى الطرابلسي والتشريح الجنائي لدولة العصابة"
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire