lundi 9 février 2026

تونس والصندوق اللعين

 

        إن ما أسميه دكتاتورية الكفاءة ليس ترفاً فكرياً أو خياراً من بين خيارات. بل هو قدرٌ جراحي لا مفر منه لانتزاع تونس من مخالب الغوغاء والسماسرة الذين حولوا الديمقراطية إلى خمارة سياسية كبرى يسكبون فيها خمر الجهل في رؤوس الجماهير المغيبة، فكل انتخابات جرت في هذا البلد منذ فجر الخراب الذي سميتموه انتقالاً كانت مجرد مبايعة جماعية للفشل وشرعنةً للرداءة تحت غطاء الصندوق اللعين.
 ذلك الصندوق الذي تحول إلى مصفاة مقلوبة ترفع الحثالة إلى السطح وتطمر العقول في القاع. حيث أصبح البرلمان سيركاً للمهرجين والبلديات إقطاعيات قذرة يُباع فيها الرصيف والكرامة في مزاد علني والمنظمات الوطنية الكبرى تحولت إلى ديناصورات متخاربة تمارس الابتزاز الوجودي ضد الدولة وتعيش على امتصاص دماء المستقبل باسم النضال المزعوم بينما هي في الحقيقة ليست سوى عصابات بيروقراطية تخشى العقل التقني كما تخشى الشياطين ضوء الفجر.
      دكتاتورية الكفاءة التي أطرحها اليوم هي فاشية عقلانية ضرورية لسحق هذا العبث تبدأ بتأميم الصناديق وإخضاع كل من تسول له نفسه الترشح لمنصب عام سواء كان بلدياً أو تشريعياً أو نقابياً لمقصلة الاختبار المعرفي الصارم..
 فلا مكان في جمهورية الأداء لمسؤول لا يفرق بين الميزانية والميزان ولا مكان لبرلماني لا يفهم لغة الأرقام والجيوسياسة بل يجب أن يكون الترشح مهنة شاقة تتطلب رخصة علمية وهندسية لا تمنحها الأحزاب المتعفنة بل تمنحها مجالس الحكماء والتقنيين الذين لا يرحمون.
حيث تتحول الانتخابات من سوق عكاظ للخطب الجوفاء إلى مناظرة تقنية كبرى حول كيفية تحويل الجغرافيا التونسية إلى ماكينة إنتاج جبارة.
فنحن بحاجة إلى دكتاتور جماعي من المهندسين والخبراء والماليين الذين يحكمون بالخوارزمية لا بالولاء وبالنتائج لا بالشعارات، يسحقون البيروقراطية اللعينة بقرارات لا تقبل النقاش ويحولون البلديات من أوكار للكسل والرشوة إلى وحدات إنتاج رقمية تخضع لرقابة القمر الصناعي والمعيار العالمي.
 فمن لا ينجح في تحويل شارعه إلى نموذج للحداثة خلال ستة أشهر يجب أن يُرمى في مزبلة التاريخ، لا أن يُعاد انتخابه باسم الشرعية الكاذبة.
أقولها بصراحة تامة، إن شرعية الإنجاز هي الشرعية الوحيدة المعترف بها في منطق التاريخ.
 أما شرعية الصندوق في مجتمع ينخره الجهل فهي مجرد خيانة عظمى مقنعة فالدولة ليست جمعية خيرية لإيواء الفاشلين سياسياً.
 بل هي شركة مساهمة كبرى يجب أن يُديرها الأذكى والأقوى والأكثر انضباطاً وهذا يقتضي بالضرورة تجميد كل المنظمات التي تعرقل سير الماكينة وإجبارها على الانخراط في منطق الإنتاج أو الزوال.
فالوطن لا يتحمل مديونية الغباء أكثر من ذلك.. والسيادة الوطنية التي يتشدق بها الجهلة لا تُصنع في الميكروفونات بل تُصنع في المعامل والمختبرات والمزارع الكبرى التي تُدار بعقل دكتاتورية الكفاءة التي لا تعرف العاطفة ولا تؤمن بأنصاف الحلول لأن أنصاف الحلول هي التي أوصلتنا إلى هذا القاع النتن.
      وتونس اليوم تحتاج إلى صدمة كهربائية تعيد ترتيب الخلايا العصبية للدولة وتطرد الرعاع السياسي من مفاصل القرار وتضع تونس فوق سكة الجمهورية الثالثة.
جمهورية العقل والنتائج والحساب العسير حيث الكرامة هي قوة الدينار ونظافة الشارع وهيبة المؤسسة.
وليذهب ديمقراطيو الورق إلى الجحيم فالتاريخ لا يكتبه إلا من امتلك جرأة البتر وتونس اليوم بحاجة لبتر كامل لكل أطرافها المصابة بغرغرينا التوافقات الرخيصة والانتخابات العبثية التي لم تجلب لنا إلا الخراب المقنن والفقر المشرعن.
 هذا ليس قانوناً بالمعنى التقليدي البائس الذي تلوكه ألسنة الحقوقيين في الغرف المظلمة بل هو صكّ الوفاة الرسمي لكل من يتاجر بالعجز تحت مسمى التمثيل الشعبي.
 وهو المقصلة التقنية التي سننصبها لإعلان نهاية زمن الغوغائية الانتخابية وبداية عصر سيادة الكفاءة.
                                 (الأستاذ: عماد عيساوي)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres