في هذا الزمن التونسي المتلاطم حيث تتقاذفنا أمواج المطالب الهوجاء وتغرقنا صرخات الاستحقاق التي لا تنتهي نجد أنفسنا نقف وجهاً لوجه أمام حقيقة جيوسياسية واجتماعية مرة وهي أن الدولة التي تحولت في مخيال شبابها إلى مجرد صراف آلي أو مكتب انتداب، هي دولة تمشي بخطى حثيثة نحو الانتحار التاريخي،
إذ كيف يستقيم الظل والعود أعوج وكيف يطالب المرء بقطاف ثمار شجرة لم يسقها بعرقه ولم يحرسها بسلاحه في ليل الغدر الطويل؟
إننا نتحدث اليوم عن جيل يطالب بالقروض وبالوظيفة العمومية كحقوق مطلقة ومقدسة وهو أمر مشروع في سياق المواطنة لكنه يغفل عمداً أو جهلاً عن الركن الركين في العقد الاجتماعي الذي صاغه كبار المنظرين من روسو إلى هوبز،
والذي يقضي بأن الحق هو ثمرة الواجب وأن السيادة لا تُمنح للمتفرجين بل لمن يصنعون درع الوطن وسيفه.
ومن هنا ينبثق مقترحي الذي أعتبره الرجة الوطنية الكبرى. وهي ضرورة إخضاع كل شاب يطالب بدولة الرفاه لضريبة الدم والعرق من خلال تجنيد إجباري لا يقل عن سنتين،
لا ليكون مجرد رقم في ثكنة بل ليكون نواة في مشروع انبعاث قومي يدمج التدريب العسكري القاسي بالتكوين المهني الاستراتيجي ليتخرج من بوابة الجيش إنساناً جديداً منضبطاً تقنياً ومقاتلاً وهو وحده من يملك شرعية التقدم إلى خزائن الدولة ليطلب تمويلاً أو منصباً لأنه ببساطة قدم سنداً سيادياً ممهوراً بسنتين من عمره في سبيل البقاء.
إن المقارنة مع المحيط العربي والجوار الإقليمي تضعنا أمام مرآة كاشفة فبينما نجد دولاً كالجارة الجزائر أو مصر قد جعلت من الخدمة العسكرية بطاقة عبور للحياة العامة لا يمكن الالتفاف عليها نجد أن التراخي في تونس قد خلق نوعاً من المواطنة الرخوة التي تكتفي بالاحتجاج وتفتقر لروح المبادرة والانضباط الميداني.
فالمجند في تلك الدول لا يتعلم الرماية فحسب بل يتعلم كيف يدير الأزمات وكيف يكون جزءاً من جيش الاحتياط الذي يمثل العمق الاستراتيجي للدولة ضد الكوارث الطبيعية والحروب الهجينة التي لم تعد مجرد خيال علمي بل واقعاً يطرق أبواب المتوسط.
ومن هذا المنطلق، فإنني أطرح رؤية الدولة القوية التي لا تعطي قروضاً لتشتري بها سكوت الشباب بل تستثمر في الرجولة الوطنية لتصنع جيشاً من الاحتياطيين المدربين الذين يشكلون حائط الصد الأول ضد أي غزو أو وباء أو انهيار مناخي.
هكذا فقط يتحول الشاب من باحث عن لقمة باردة إلى شريك في السيادة الوطنية حيث يصبح كل قرض تمنحه الدولة هو استثمار في كادر عسكري سابق منضبط سوسيولوجياً ومؤهل تقنياً مما يضمن أن هذه الأموال لن تذهب هباءً في مشاريع هشة بل ستكون وقوداً لاقتصاد يحرسه أبناؤه الذين عرفوا قيمة الأرض من خلال مرارة التخندق في ترابها وحلاوة الانتصار تحت رايتها.
وهي معادلة لا يفهمها إلا السياسيون الوطنين الذين يدركون أن بناء الأمم لا يتم عبر المنشورات الحكومية بل عبر صياغة الشخصية القومية في أفران المؤسسة العسكرية ليكون الجيش هو الجامعة الكبرى التي تخرج مواطنين لا رعايا ومقاتلين لا متسولين على أعتاب الإدارات والوزارات.
إن ما أقترحه ليس مجرد إجراء إداري بل هو مانيفستو لجمهورية ثالثة تقوم على أنقاض العجز حيث يتم ربط المسار المهني بالمسار النضالي وحيث ترفض الدولة أن تكون بقرة حلوباً لمن لم يحمل يوماً معولاً أو بندقية.
فالتحديات القادمة من خلف الحدود ومن جوف الأرض تتطلب شعباً مسلحاً بالوعي والخبرة وجيش احتياط ممتد في كل ضيعة ومصنع ومكتب يكون هو الضامن الحقيقي للاستقرار ضد كل المخاطر.
وبدون هذا العقد الجديد الذي يضع التجنيد أولاً سنظل ندور في حلقة مفرغة من المطالب التي لا تنتهي والدولة التي تضعف يوماً بعد يوم.
هذه دعوة للعودة إلى الجذور الصارمة لبناء الدول حيث يسبق الواجب الحق وحيث تُصان الكرامة الوطنية بساعد الشباب الذي تعود على خشونة العيش قبل نعومة القروض وبذلك فقط نغلق باب الفوضى ونفتح باب النهضة الحقيقية التي لا تستجدي أحداً بل تفرض نفسها بقوة السلاح وقوة العمل وقوة الانضباط وهي الثلاثية المقدسة التي لا يمكن لأي أمة أن تعبر التاريخ بدونها وإلا ستبقى مجرد،
غبار بشري تذروه الرياح عند أول منعطف جيوسياسي خطير.
(الأستاذ: عماد عيساوي)
في هذا الزمن التونسي المتلاطم حيث تتقاذفنا أمواج المطالب الهوجاء وتغرقنا صرخات الاستحقاق التي لا تنتهي نجد أنفسنا نقف وجهاً لوجه أمام حقيقة جيوسياسية واجتماعية مرة وهي أن الدولة التي تحولت في مخيال شبابها إلى مجرد صراف آلي أو مكتب انتداب،


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire