samedi 18 avril 2026

سيرتي الذاتية: مصطفى البحري

 
  

    "مصطفى البحري" من أعز الأساتذة الذين درست عندهم في مدرسة ترشيح المعلمين بصفاقس في السبعينات وتأثرت به كثيرا.. حقيقة طاقة لن يجود بها الزمان ثانية.. في سنة كاد أن يصنع منا، كلنا كتلاميذ، شعراء وأدباء.. مازلت أذكر وقاره وفكره وخياله الواسع وحافظته الرهيبة.. في حصة التعارف الأولى بمجرد أن نقدم أنفسنا شفويا بالإسم واللقب، قرابة الثلاثين تلميذا، بعد أن يشعل سجارته ويأخذ منها نفسا عميقا يعيد تسميتنا بدون أي خطأ.. كنت الأخير في المقعد واسمي طويل نسبيا ففاجأني بصوته الرخيم المتأني "محمد نجيب القراسي".. علبة السجائر "كواكب" كانت لا تفارقه أبدا.. لروحه السلام والسكينة.. وأنا في سن الثلاثة والسبعين مازالت صورته حية في خيالي..
     سيرة الشاعر:
مصطفى الحبيب بحري.
ولد في بلدة أولاد يانق (جزيرة قرقنة - تونس)، وتوفي فيها.
عاش في تونس والعراق ومصر.
تعلم في الكتّاب، ثم المدرسة الابتدائية بمدينة صفاقس، ثم بالفرع الزيتوني بها، وواصل دراسته في جامع الزيتونة (تونس العاصمة)، ونال شهادة التحصيل (1951).
واصل دراسته في بغداد، ثم في القاهرة، وتخرج (1959).
عمل معلمًا للغة العربية وآدابها، ومديرًا للمعهد الثانوي في مدينة بنزرت.
كان عضو اتحاد الكتّاب التونسيين، وعضو لجنة النظر في الكلمات بإذاعة صفاقس، وعضوًا ببعض الجمعيات في تونس العاصمة وصفاقس وبنزرت.
الإنتاج الشعري:
- له ديوان بعنوان: «ثورة العبيد» - (قصيدة طويلة) - نشر المؤلف - تونس 1955، وديوان بعنوان: «أوراس» - (قصيدة طويلة) - منشورات كتاب البعث - تونس 1957، وديوان بعنوان: «رقصة البركان» - نشر المؤلف - بنزرت 1982، وله قصائد في كتاب: «مختارات من الأدب التونسي المعاصر»، وله قصائد في كتاب: «الشعر التونسي الحديث»، وله ديوان بعنوان: «أغنيات» - (أناشيد) - مخطوط.
الأعمال الأخرى:
- له مؤلفات مطبوعة، منها: «رواد الكلمة في تونس»، و«اتجاهات الشعر العربي في تونس عصر الاحتلال»، و«نظريات وخواطر» - (مقالات)، و«أبوالقاسم الشابي» - دمشق، وله عدد من المقالات المخطوطة في شكل كتب، منها: «أعاصير قلب، وثورة البعث، وذئاب وقطيع، وكلمات الخطيئة».
يعد أحد رواد التجديد في المغرب العربي، تأثر شعره بتيارات التجديد وثورة الشعر الحر (التفعيلي) وشعرائها، خاصة: نازك الملائكة، والسياب، والبياتي. 
يتنوع شعره بين التعبير عن ثورة الجزائر في إبانها، والتغني بالأمجاد العربية في المغرب العربي ورصد تاريخهم المشرق، وبين رصد وتصوير جهاد أبناء تونس وكفاحهم ضد الاحتلال، والتعبير عن أفريقيا وجمالها وتوهج أبنائها.

لحوم العلماء مسمومة

 

   🔴 لحوم “العلماء”..… أم عقول مُصادرة؟
يُقال لك بلهجة تخويف رخيصة: “لحوم العلماء مسمومة”. أي علماء بالضبط؟ في هذا السياق، “العالِم” ليس من يكتشف أو يعالج أو يبتكر، بل من يُتقن الوعظ ويحتكر المنبر. عمامة فوق رأس، وكلمات محفوظة… فيتحوّل فجأة إلى مرجعية فوق النقد.
ثم يُطلب منك تسليم عقلك مع فاتورة الطاعة: لا تفكر، لا تُجادل، فقط اتبع “العالِم”. ويُسوّق لك قياس مضحك: كما لا تفتي في الطب والهندسة، لا تتكلم في الدين. لكن الطبيب يُثبت نفسه بالنتائج، والمهندس يُحاسب إذا انهيار الجسر، أما هنا فالكلام بلا اختبار، واليقين بلا دليل، والخطأ بلا ثمن.
لو اختفى الأطباء والمهندسون، ستعود البشرية قرونا للوراء. ولو اختفى رجال الدين؟ لن تتوقف الكهرباء، ولن تسقط الطائرات، ولن تغلق المستشفيات. الحياة ستستمر… وربما بضجيج أقل وخلافات أقل.
أما “المنجزات” المزعومة؟ وصفات تُباع كطب، وخرافات تُقدم كحلول. والمفارقة المقززة: صاحب الفتوى حين يمرض لا يثق بما يروج له، بل يركض نحو أحدث المستشفيات وأدق الأجهزة… أي نحو العلم الذي كان يُحذر الناس منه.
وفي المقابل، هؤلاء هم الذين خدموا الإنسان فعلا، بلا عمائم ولا وصاية: توماس إديسون ومايكل فاراداي أنارا العالم، ألكسندر فلمنج أنقذ الملايين بالبنسلين، جوناس سالك وألبرت سابين حاصرا شلل الأطفال، فريدريك بانتنغ وتشارلز بيست أنقذا مرضى السكري، نيكولا تسلا وماري كوري غيّرا فهم الطاقة والطب، لويس باستور أسس علم اللقاحات، وآلان تورينغ مهد لعصر الحاسوب.
هؤلاء لم يطلبوا منك أن تُعطل عقلك، بل علموك كيف تستخدمه.
الخلاصة التي يحاولون دفنها بالصراخ: الدين إيمان شخصي… والعلم معرفة قابلة للاختبار.
خلطهما لا يصنع “قداسة”، بل يصنع عقولا مُعطلة… تُصفق أكثر مما تفهم.                                                                   ✍️ محمد السائح

vendredi 17 avril 2026

الوطن والفقر والغناء

 

     يعجبني من يقيم الدنيا ويقعدها لأنه وجد فقيرا في وطنه... فهل يمكن أن نتحدث عن وطن ولو فيه حالة وحيدة من الفقر... وأي برنامج اقتصادي لا يكون هدفه الأساسي مسح الفقر مسحا جذريا فهو أكذوبة سياسية... إذا وُجد الفقر فالغنى يصبح جريمة إنسانية لا جدال فيها... وإذا وجدت غنيا يعطف على فقير فمعنى ذلك لا وجود لدولة ولا وجود لوطن وإنما هي غابة تسيرها العواطف والأهواء.. 
                                                  (نجيب)

samedi 11 avril 2026

تدثرت بالريح

 

       إنني أختار من الأحلام ما يوازي هِمّتي، ومن الناس من يُجِلّ قدري، ومن الكلمات ما يُزهر في قلبي، لا ما يبعثره...
إني لا أُصغى لكل قائل، ولا أرد على كل تعليقٍ سلبيّ، ولا أَبْسُط يدي لمَنْ يحَمل لي في جعبته حديثًا فاترًا، ولا أُرَحِّبُ بالقادمينَ خِفّةً، إنّما أثقُ بخُطى الثّابتين، ولا أتشبث بمن لا يرى فيّ ما أراه أنا في نفسي من نورٍ وندرة...
إني لا أُنزِل قلبي منزلًا لا يُصان فيه، ولا أُصاحب من يرى فيّ احتمالًا احتياطيًا مؤقتًا، ولا أقبل نصف حضور فقلبي لا يسكنه المترددون، ولا أُحسن الظنّ إلا بمن يُقِيم لي الدليل على مروءته..
إنني أُكرم ذاتي وأجلّ خِصالي وأُحسن إلى نفسي كما يُحسن الكريم إلى جوهرٍة ثمينٍة يحفظها بعناية، ويعرف قدرها، فلا يسمح لأي شيء بأن يجرحها أو يُلحق بها خدشًا!
                                            (أمل عيد)

jeudi 2 avril 2026

الولاء الزائف في زمن الجوع

 

    الولاء الزائف في زمن الجوع.
يُدهشني كثيراً، ويؤلمني أيضاً، أن أرى أناساً بسطاء، جهلاء، فقراء ومغيبين.. لا يملكون سوى قرقعات أمعائهم الجائعة، وصفير جيوبهم الخاوية..  
يتنازعون فيما بينهم، ويتشامتون بشراسة بين بعضهم البعض، على خطط وأفكار سياسات غيرهم، أو أحداث وسلوكيات لا تخصّهم، بل تخصّ بالعام، فقط، منْ يملكون السلطة والثروة والقرار، ويقودون رحال الحضارة الانسانية بالتمام.. 
بالنسبة لي، مشهد مصارعة عقلية، واقعية أم افتراضية، كهذا، يكشف لفهمي عن مفارقة اجتماعية وعقلية إنسانية قاسية للغاية.. فقط تصوّر معي: 
إنسان فقير بسيط، ذو فهم عادي، لا يجد قوت يومه، أي "ليس له بالعير ولا بالنفير" كما يُقال، يتحوّل فجأة بفعل الحاجة أو الخوف أو الوهم، إلى مدافع شرس عن مشاريع ومصالح غيره، أو إلى محارب ظل ونصير أرعن، لأهداف وحروب وصراعات بعيدة كل البعد، عن وعيه، ومصالحه ووجوده، ولا تعود عليه بأي شيء من النفع أو الفائدة..!!
بصراحة، أنا لا أحسب مثل هذه الظاهرة الشائعة في بوادينا، مجرد خلل نفسي اجتماعي، أو انفعالات عمياء للوعي فقط، بل تعبير عن أزمة عقل، وجرح إنساني لاعتداء عميق ومرسومان معاً: 
أن يُستعمل، الأقوياء وأصحاب النفوذ والقرار والمجرمين..، ألم الناس وقلة حيلتهم وقسوة ظروفهم، ميدانا لحرب الآخرين، ووقودا لصراعات لا تعنيهم بتاتاً..
وكأن حال هذا الإنسان الأعمى بالعواطف والانفعالات، حين يُحرِم من أبسط حقوقه، يضطر لان يتشبّث بأية فكرة مشهورة أو صورة شائعة يُروجها القوي، لتمنحه شعورا زائفا بالاهمية والحضور والمشاركة في صنع القرار..
قصارى القول: 
إذا لم يستعيد الإنسان وعيه وكرامته، سيظل يصفّق للوليمة من بعيد، ويدافع عن الطباخ الغريب، وهو لا يذوق من طبخه شيئا.
                   (منقول بتصرف)

lundi 30 mars 2026

البحث عن الحقيقة

 

     البحث عن الحقيقة -  كانط الحلقة الأولى
نقد العقل الخالص والفرق بين الفكر والمعرفة.
إيمانويل كانط فيلسوف ألماني عاش في القرن الثامن عشر، وهو واحد من أكثر المفكرين تأثيرا في تاريخ الفلسفة الإنسانية. لماذا؟ لأنه لم يكتف بطرح أفكار جديدة، بل غير الطريقة التي نفكر بها في المعرفة ذاتها. قبل كانط كانت الفلسفة تسير في اتجاه معين، وبعده أخذت منعطفا لا رجعة فيه. أطلق عليه نيتشه لقب الصيني العظيم، وكان يقصد أن كلامه عسير الفهم كمن يتحدث بلغة لا تألفها الأذن. لكن لا داعي للقلق ، يمكن أن نفهم فلسفة كانط حينما نبسط مفاهيمها ، وهذا الذي سنقوم به . الفلسفة ليست حِكرا على المتخصصين، وكل فكرة عميقة يمكن أن تقال بلغة واضحة.
بدأ كانط مشروعه الفلسفي بسؤال يبدو بسيطا للوهلة الأولى: "ماذا يمكنني أن أعرف؟" تحت بساطة هذا السؤال يختبئ إشكال فلسفي بالغ العمق. فكانط لم يسأل: "ما الذي يوجد في الكون؟" بل سأل: "ما الذي يستطيع العقل البشري أن يصل إليه فعلا؟" وهذا فرق جوهري. لماذا طرح كانط هذا السؤال تحديدا؟ لأنه لاحظ أن الفلاسفة قبله كانوا يتحدثون عن أشياء لم يثبتوا يوما أنهم يعرفونها حقا.
تتبع كانط مسيرة الفلسفة منذ أرسطو وأفلاطون، فوجد أن الفلاسفة كانوا ينشغلون دائما بثلاثة موضوعات كبرى: الله  - الروح - العالم بما هو كل مطلق. هذه الموضوعات الثلاثة تنتمي إلى ما يسمى بـالميتافيزيقا.
والميتافيزيقا كلمة مركبة من "ميتا" وتعني ما وراء و"فيزيقا" وتعني الطبيعة المادية. الميتافيزيقا إذن هي الدراسة التي تتجاوز ما نراه ونلمسه. تبحث فيما لا تستطيع حواسنا إدراكه كالروح، الخلود، الوجود
 المطلق، الله...استاء كانط من هذا التوجه، لكنه لم يرفض الميتافيزيقا جملة وتفصيلا. وإنما رفض ما هو أن تعامل الفلاسفة معها كما لو أنها ميدان معرفة، وهي في حقيقتها لا تعدو أن تكون ميدان تفكير. هنا يكمن قلب الفلسفة الكانطية . ذلك أن كانط فرق بوضوح بين شيئين كثيرا ما نخلط بينهما وهما : المعرفة والتفكير .
المعرفة عند كانط ليست مجرد اعتقاد أو تصور ذهني، بل هي حكم مبرر ومقيد بشروط صارمة. لكي تتحقق المعرفة لا بد من توافر ثلاثة عناصر متلازمة هي : الإدراك الحسي – التجربة - العقل . المعرفة إذن هي: ما ينتج عن التقاء العقل بالتجربة، في حدود ما تستطيع الحواس إدراكه.
أما الفكر عند كانط فهو أوسع من المعرفة وأرحب منها، لكنه في الوقت ذاته أقل يقينا منها. هو قدرة العقل على تجاوز حدود التجربة والتحليق في فضاءات لا تبلغها الحواس، كالتأمل في خلود الروح أو وجود الله أو ماهية الكون. الفكر لا يحتاج إلى دليل تجريبي كي يشتغل، لهذا السبب بالضبط  لا ينتج معرفة . ينتج تساؤلات وتصورات وفرضيات تظل معلقة دون أن تتحول إلى يقين.
رغم التمييز بين المعرفة والفكر ، إلا أن كانط لا يحدث بينهما قطيعة. يقر بوجود علاقة بينهما .أي أن المعرفة توجد داخل الفكر لكنها لا تملأه. كل معرفة هي فكر، لكن ليس كل فكر معرفة. الفكر هو الفضاء الأرحب، والمعرفة هي المنطقة المضاءة داخله، أما ما يحيط بها فهو ظلام التساؤل المشروع الذي لا يدعى فيه اليقين.
من هنا اهتدى كانط إلى الخطأ الذي وقع فيه الفلاسفة قبله،  ذلك أنهم أضاؤوا الظلام بشموع وهمية، وسموا ذلك معرفة. لفهم هذا التصور التجريدي نقدم مثالا توضيحيا وهو كالتالي:  يؤمن كثير من الناس بأن الحياة تستمر بعد الموت. هذا الاعتقاد ممكن فكريا، لأننا نستطيع أن نتصوره ونفكر فيه. لكنه مستحيل معرفيا، لأن لا أحد عاد من بعد الموت ليخبرنا، ولا حاسة من حواسنا تستطيع بلوغه. إذن خلود الروح هو موضوع فكر لا موضوع معرفة.
لتتحقق المعرفة لابد مما سماه كانط : الإدراك والتجربة . عن هذا الشرط ينتج مبدأ ضروري يمكن أن نلخصه في : "كل معرفة تبدأ بالتجربة." طبعا كل تجربة تخضع للإدراك الحسي وهو القدرة على استقبال العالم عبر الحواس: البصر، السمع، اللمس، الشم، الذوق. عند كانط، هذا الإدراك هو البوابة الإلزامية لأي معرفة حقيقية. ما لا تدركه الحواس، لا يمكن معرفته ، يمكن التفكير فيه فحسب.هذا يعني أن الأشياء التي تنتمي إلى الميتافيزيقا ، كالله والروح لا تستطيع حواسنا الوصول إليها، فلا يمكن تأسيس معرفة حقيقية بها.
من المعروف أن كانط تدرج في رؤيته الفلسفة . بدأ حياته الفكرية ديكارتيا، مؤمنا بمبدأ "أنا أفكر، إذن أنا موجود." كان ديكارت يرى  أن العقل وحده ، بمعزل عن الحواس والتجربة ، هو المصدر الموثوق للمعرفة، لأن الحواس تخدعنا. لكن كانط تحول عن هذا الموقف تدريجيا، حين كتب عمله الكبير: "نقد العقل الخالص"
في هذا الكتاب أعلن صراحةً أن العقل وحده لا يكفي لتحقيق المعرفة . المعرفة الحقيقية لا تنتج من التفكير المجرد، بل تنتج من التفاعل بين العقل والتجربة معا. وبهذا وجه كانط رسالة واضحة إلى الفلاسفة الميتافيزيقيين. حيث أعاد الميتافيزيقا إلى مكانها الصحيح،وبين لهم أنها ليست علما بالحقيقة، بل فضاء للتأمل والتساؤل.كما وجه رسالة إلى الفلاسفة التجريبيين والعقلانيين وبين للجميع أن الاعتماد على التجربة وحدها لا يؤدي إلى المعرفة الحقيقية ، كما أن الاعتماد على العقل وحدة قد يسقطنا في الخطأ ، لهدا دعا إلى ضرورة الجمع بينهما من أجل معرفة حقيقية . لكن أمام كل هذا يبقى السؤال المؤرق مطروحا : هل ما أدركه هو الحقيقة ذاتها، أم مجرد الصورة التي تبدو عليها الحقيقة لي؟ هذا السؤال سيدخلنا إلى الجانب الأكثر  الأكثر إثارة في فلسفة كانط . معرفة الفرق بين الشيء كما يظهر والـشيء في ذاته.نرجئ حديثنا عن هذا الجانب إلى حلقتنا القادمة . انتظرونا .   (منقول)

dimanche 15 mars 2026

تجديد الفكر

 

مشكلة الإنسان ليست فيما يجهل،
بل في تمسّكه بما يعرف،
ورفضه لما يحمله التجديد من إمكانات.
فالتجديد ليس تبديل الأشياء فحسب،
بل تجديد للفكر، 
تجديد في الشعور، 
وتجديد النظرة إلى الحياة؛
بطرح الأحكام.
الحياة لا تظلم،
بل تدفع أحيانًا بما يهز يقيننا،
لنكتشف أفقًا أوسع،
خارج حيّز الأنا الضيّق،
إلى سعة ما كان محجوبًا عنّا.
الأصعب من أن تتعلّم،
هو أن تتخلى عن كل ما تعلمت،
وتنطلق بعقل متعطش، وقلب متحمس،
جاهز لاحتضان الحياة بما تحمله من إعجاز.
التسليم هنا ليس استسلامًا،
بل عودة إلى انسيابية الحياة فينا ومن حولنا.
هنا نبدأ في معرفة ذواتنا،
وهنا يبدأ فهمنا للحياة…
وتأكد ما لم تتحرك بنية الحب،
ستدفعك الحياة بالألم،
لتعلمنا ما لم نرد تعلمه بخيارنا. 
(ليلى المغربية)

samedi 14 mars 2026

للذي رحل بإرادته

 

       كلُّ غائبٍ يُرجى له رجوع، إلا الذي غاب بإرادته، فقد اختار أن يرحل، وتعمّد أن يُخلي مكانه، ويكسر بينه وبيننا الألفة، ويُسقط من يديه ما كنّا نظنّه لا يمكن التفريط فيه أبدًا...
فليس أوجع من أن تُدير ظهرك لمن مدّ إليك عمره، وتذر من أحبّك واقفًا على أعتاب انتظارك، يُحصي الخذلان في تفاصيلك، ويرقب صدقك الذي ما كان يومًا سوى كذبةٍ أنيقةٍ فارغةٍ مُهذّبة!!
التخلّي المُتعمَّد يكسر فينا شيئًا، ويطفىء بنا نورًا، ويسكن جراحنا تحت جلودنا، لذلك فقاعدة العلاقات دائمًا وأبدًا أن «الذي رحل بإرادته... ليس له أن يعود بإرادته!!»
                              (أمل عيد)

samedi 7 mars 2026

النقد ليس مهنة

 

        النقد ليس مهنة!
     لم أستغربْ وأنا أسمعُ أحدَهم، ممّن يُسمّي نفسَه ناقدًا، أنَّ طريقةَ حكمِه على أيِّ مُنجَزٍ تعتمدُ على قراءةِ صفحاتٍ من بدايته، وأخرى من وسطه، ثم يختتمُ الأمرَ بصفحاتٍ من نهايته، ليُدلي بعدها بأحكامه «العظيمة» وكأنّه أحاط بالعمل إحاطةَ الخبيرِ بصناعته. غير أنّ استغرابي تضاعف حين ادّعى، أمام جمهورٍ من الأدباء الذين حضروا جلستَه، أنّه استوحى منهجه هذا من الشكلية الروسية. ولم يكتفِ بذلك، بل أعلن بثقةٍ أنّ النقدَ أصبح مهنتَه!
   لقد فاته أنّ هذه المدرسة، التي ظهرت في بدايات القرن العشرين في روسيا، لم تُؤسَّس على قراءةٍ انتقائيةٍ مبتورة، ولا على أحكامٍ سريعةٍ تُقتطع من سياقها، بل جاءت ردَّ فعلٍ على النقد الانطباعي والاجتماعي الذي كان يُفسِّر الأدب بسيرة المؤلف أو بظروفه التاريخية، متغافلًا عن جوهر النص وبنيته.
   إنّ المنهج الذي اعتمدته تلك المدرسة يقوم على تحليل مستويات اللغة: الصوتيِّ، والتركيبيِّ، والدلاليِّ؛ وعلى دراسة التقنيات السردية، ورصد التكرار، والانزياح، والإيقاع، وتفكيك العلاقات البنيوية داخل العمل، بحثًا عمّا يجعل النصّ أدبًا، لا مجرّد حكاية. فالنقد عندهم فعلُ قراءةٍ عميقة، لا قفزةٌ فوق الصفحات، ولا استعراضُ أحكامٍ تُطلَق من علوّ الثقة وقِلّة التمحيص.
   فأين أنت، يا من تسمّي نفسك ناقدًا، من هذا كلّه؟
ومن أنتَ كي تحكمَ من صفحاتٍ معدودةٍ على مُنجَزٍ استغرق سنينَ من عمر صاحبه، وسهرًا من روحه، وقلقًا من فكره؟
   إنّ النقدَ ليس مهنةً والناقد لا يمتلك دكانًا للمزايدات ولبيع وشراء الكلمة.
النقد ليست صفة تُدرَج في بطاقة تعريف؛ إنّه مسؤوليةُ معرفة، وأمانةُ قراءة، وضميرُ نصّ. ومن لم يمنح العملَ زمنَه كاملًا، فلن يمنحه العملُ سرَّه كاملًا.

                                           (فوز حمزة)

mardi 3 mars 2026

ولدت نظيفا بالفطرة

 

            من الطبيعي تماماً أن تشعر بالرعب عندما تكتشف أن "العفوية" التي تراها أنت صدقاً، يراها الآخر "ثغرة"، وأن "الابتسامة" التي تراها أنت جسراً للمودة، يراها الآخر "قناعاً".
  فتُخيفني فِكرة أن ليس كُل ما يُظهره الآخرون لك هو حَقيقة مَشَاعرهم تِجاهك، وأن ليس بالضروري أنّ كُل ابتسامة تعني مَحبة، بل ربما تواري خلفها الكَثيرُ مِن الحقدِ.
  تُخيفني فِكرة أن أتحدث بعفوية أمام أحدهم؛ في حِين يُمعن هو التركيز في حَديثي كي يتصيد أخطاء لا أكثر.
   المُرعب ليس أن البَشر مؤذيون فحسب؛ بل أنك ولدت نظيفًا بالفطرة لا تَمكُر ولا تتلون مثلهم.
والمُرعب أيضا، أنك تتعامل بعفوية مع صنفٍ هم للخبثِ أقرب مِنهم للطيبة. 
                             (مقتبس)

dimanche 1 mars 2026

لماذا الحرب

 

      في عام 1932، وفي ظل تصاعد التوترات التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية، أطلقت عصبة الأمم مشروعًا فكريًا غير مسبوق، هدفه إشراك كبار مفكري العالم في البحث عن وسائل تمنع الحروب مستقبلاً. 
وقد طُلب من عالم الفيزياء الشهير ألبرت أينشتاين أن يختار مفكرًا يتحاور معه حول سؤال مصيري: كيف يمكن إنقاذ البشرية من الحرب؟
اختار أينشتاين عالم التحليل النفسي سيغموند فرويد، إدراكًا منه أن مشكلة الحرب لا تتعلق بالسياسة وحدها، بل بجذور نفسية عميقة داخل الإنسان نفسه.
في رسالته، تساءل أينشتاين عمّا إذا كان بالإمكان إيجاد سلطة عالمية قادرة على إنهاء النزاعات المسلحة، وعن السبب الذي يجعل البشر قابلين للتحريض على الحرب بسهولة رغم ما تجلبه من دمار.
جاء رد فرويد مختلفًا عن التوقعات السياسية أو الأخلاقية؛ إذ رأى أن الحرب ليست مجرد قرار تتخذه الدول، بل نتيجة مباشرة لطبيعة الإنسان النفسية. فالإنسان، بحسب التحليل النفسي، تحكمه قوتان أساسيتان: غريزة الحياة التي تسعى إلى الاتحاد والبناء، وغريزة العدوان أو التدمير التي تدفعه نحو الصراع والعنف.
وأوضح فرويد أن الحضارة نشأت أصلًا من محاولة تحويل العنف الفردي إلى قانون جماعي، لكن هذا لا يعني اختفاء العنف، بل تنظيمه فقط. 
لذلك فإن الحروب تستمر لأن النزعة العدوانية لا يمكن اقتلاعها من النفس البشرية، وإنما يمكن فقط توجيهها أو الحد منها عبر الثقافة، والروابط الإنسانية، وسلطة قانون دولي قوية.
هكذا تحولت مراسلة أينشتاين وفرويد إلى واحدة من أعمق الوثائق الفكرية في القرن العشرين، إذ كشفت أن السلام لا يتحقق بالتقدم العلمي وحده، بل بفهم الإنسان لنفسه أولًا.
فالسؤال الحقيقي لم يكن: كيف نمنع الحرب؟
بل: كيف نُهذّب الإنسان الذي يصنعها؟
                                              (منقول)

vendredi 27 février 2026

النهب المقدس

 
     الحديث عن ليلى الطرابلسي ليس مجرد نبش في سيرة سيدة أولى عابرة بل هو عملية أركيولوجية في طبقات العفن السياسي الذي تراكم فوق جسد الدولة التونسية .
 انا هنا بصدد تشريح غدة سرطانية نبتت في غفلة من التاريخ بين أزقة نهج الباشا و حي الطيران الشعبي لتمد أظافرها وتخنق الجمهورية التي بناها الشعب بدموع وعرق الحداثة المشوهة.
 ليلى الطرابلسي لم تكن مجرد زوجة لجنرال هرم أصابه الخرف السياسي المبكر بل كانت هي الفيروس الارتدادي الذي أعاد تونس من عصر دولة المؤسسات إلى عصر الغزو العشائري و النهب المافيوزي المنظم حيث تحول القصر من مركز لإدارة السيادة إلى بورصة لبيع الوطن بالقطعة و مغسلة لغسل الأموال القذرة التي جمعتها عائلة الطرابلسية من عرق الجياع ودموع المظلومين في دهاليز وزارة الداخلية .
 إننا أمام مشهد سريالي تتداخل فيه الحجامة بالسياسة والجهل بالاستعلاء حيث استطاعت هذه المرأة بذكائها الغريزي المتوحش أن تحول رجل الاستخبارات القوي زين العابدين بن علي إلى مجرد خادم لنزواتها وواجهة قانونية لكارتيل عائلي لم يترك قطاعاً اقتصادياً إلا وافترسه من الطيران إلى الاتصالات ومن الموز إلى العقارات وصولاً إلى بيع الأراضي الدولية بمليم رمزي و تحويلها إلى منتجعات سياحية تدر المليارات .
هذه الجمهورية المنهوبة لم تسقط في يوم وليلة بل كانت هناك فترة حضانة بدأت منذ ذلك اللقاء المشبوه في منتصف الثمانينيات حين وقعت ليلى في قبضة الأمن كمهربة شنطة تافهة و بدلاً من أن تُساق إلى السجن سيقت إلى قلب الجنرال الذي كان يبحث عن ملاذ عاطفي بعيداً عن صرامة نعيمة الكافي و برودها الأرستقراطي .
 و من هنا ولدت الدولة الموازية في شقق المنزه السرية حيث كانت الصفقات تُعقد فوق أسرّة النوم قبل أن تُوقع في المكاتب الرسمية.
 ليلى الطرابلسي التي طاردتها وصمة الحلاقة لم تكن تصفف الشعر بل كانت تصفف الدولة التونسية على مقاس عائلتها الجائعة فبمجرد أن استقرت في قرطاج فتحت بوابات القصر لجحافل الجراد من إخوتها وأبنائهم وعلى رأسهم بلحسن الطرابلسي الذي تحول إلى نائب الملك غير المتوج ذلك الأخطبوط الذي ابتلع شركة كارتاڨو و سيطر على النقل الجوي و البحري و البنكي مستخدماً نفوذ شقيقته لانتزاع القروض من البنوك العمومية دون ضمانات في عملية سطو مسلح على المال العام لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً بينما كان عماد الطرابلسي يمثل الوجه القبيح و البلطجي لهذا النظام حيث حول ميناء رادس إلى إقطاعية خاصة لا تدخلها حاوية و لا تخرج منها بضاعة إلا بجزية تُدفع لآل الطرابلسي في ضرب عرض الحائط بكل قوانين الديوانة و السيادة الوطنية و كأن تونس تحولت إلى غنيمة حرب وزعت مغانمها بين أفراد العشيرة الذين لم يكونوا يملكون في أرصدتهم سوى الجشع و الجهل المركّب .
الصندوق الأسود لليلى الطرابلسي يفوح برائحة الفضائح التي تجاوزت حدود الوطن فالحديث عن دورها في تسريب إحداثيات اغتيال الشهيد خليل الوزير أبو جهاد في سيدي بوسعيد عام 1988 يظل جرحاً نازفاً في كرامة الدولة حيث تتقاطع المصالح الأمنية المشبوهة مع طموحات سيدة الظل التي كانت تريد تثبيت أقدامها بأي ثمن حتى لو كان الثمن دم المناضلين فوق الأرض التونسية و لم يكن هذا السلوك غريباً على امرأة لم تتردد في تدمير مدرسة بوعبدلي العريقة لأنها نافست مدرستها قرطاج الدولية و لم تتردد في سحب الجنسية من سهى عرفات و طردها بملابسها لأنها تجرأت على معارضتها في صفقة مالية .
 هذه هي ليلى دجين التي كانت تقيم الحفلات الباذخة فوق جثث الفقراء و توزّع المناصب الوزارية في صالونات التجميل حيث كان الوزراء يرتعدون من مكالمة هاتفية تأتيهم من القصر الصغير في سيدي بوسعيد أكثر مما يخشون رئيس الجمهورية لأنهم كانوا يدركون أن صك الغفران السياسي يُوقع بيد ليلى لا بيد بن علي الذي كان غارقاً في أوهام المعجزة الاقتصادية بينما كانت زوجته و إخوتها ينخرون عظام الدولة كالسوس حتى وصل الأمر إلى تحويل الدين نفسه إلى بضاعة عبر صهرها صخر الماطري الذي أنشأ مصرف الزيتونة و إذاعة الزيتونة ليكون الوجه الإسلاموي للفساد في محاولة بائسة لشرعنة النهب و تخدير الجماهير بشعارات الروحانيات بينما كانت المليارات تُهرب إلى حسابات سويسرا وكندا ولبنان .
و عندما دقت ساعة الحقيقة في 14 جانفي 2011 لم ترحل ليلى الطرابلسي بكرامة المهزوم بل رحلت بعقلية اللص الذي يسرق مخبأه الأخير قبل الهرب حيث كشفت التقارير الإستخباراتية أنها حملت معها 1.5 طن من الذهب المنهوب من البنك المركزي في عملية خيانة عظمى لمدخرات الشعب التونسي وكأنها كانت تنتقم من هذا الوطن الذي رفض استيعاب نرجسيتها المريضة .
 ليلى اليوم في منفاها الذهبي بالسعودية ليست سوى شاهدة على عصر الانحطاط العائلي و هي تحاول في مذكراتها البائسة حقيقتي أن تغسل يديها من دماء القناصة و دموع المعذبين لكن التاريخ لا يرحم الحلّاقات اللواتي حاولن لبس تيجان الملوك فوق رؤس خالية من الفكر و الإنتماء .
  ما فعلته ليلى الطرابلسي بتونس هو جريمة حضارية مكتملة الأركان حيث حطمت سلم القيم و جعلت من الولاء العشائري بديلاً عن الكفاءة الوطنية و تركت وراءها جيشاً من الطرابلسية الصغار الذين لا يزالون يعشّشون في مفاصل الإدارة .
  فضح هذا الأرشيف الأسود ليس ترفاً فكرياً بل هو ضرورة وجودية لتطهير الذاكرة الوطنية من دنس المرحلة التي صار فيها المقص أقوى من القلم وصار فيها الجاهل يحكم العالم و صارت فيها تونس مزرعة لامرأة أرادت أن تثبت للعالم أن القاع يمكن أن يحكم القمة و لكن بالخراب لا بالبناء و بالنار لا بالنور .
 كانت ليلى الطرابلسي هي المهندسة الفعلية لعملية التجريف السوسيولوجي التي تعرضت لها تونس حيث عمدت إلى ضرب كل مراكز القوى التقليدية من ٱلإتحاد العام التونسي للشغل إلى المنظمات الحقوقية مستخدمة المال الفاسد لشراء الذمم و تدجين النخب حتى تحولت قصور قرطاج إلى مسرح للدمى المتحركة حيث يُعين الوزير لأنه صديق بلحسن و يُقال المدير لأنّه رفض طلب عماد في منظومة مافيوزية كانت ليلى هي عقلها المدبر وقلبها الميت .
 إننا اليوم مطالبون بأن نقرأ هذا التاريخ بلا قفازات و أن نسمي الأشياء بمسمياتها ، ليلى الطرابلسي لم تكن سيدة أولى بل كانت رئيسة عصابة بمرتبة شرف و بن علي لم يكن دكتاتوراً وطنياً بل كان رهينة في يد عائلة لم تعرف يوماً معنى الوطن و ما حدث في تونس تحت حكمها لم يكن تنمية بل كان نهشاً منظماً في جسد حي و ما يزال التونسيون إلى اليوم يدفعون ثمن تلك الحقبة السوداء من التغول الطرابلسي التي أحرقت الأخضر و اليابس و أورثت البلاد ديوناً و فساداً أخلاقياً و سياسياً يحتاج إلى عقود من العلاج الكيميائي الثوري لاستئصاله فالتاريخ لا ينسى و الشعوب قد تغفر العجز لكنها أبداً لا تغفر الخيانة و السرقة الممنهجة تحت ستار الشرعية الزوجية المشبوهة .
ما يحدث اليوم في تونس ليس إلا صدى لانفجار ذلك الصندوق الأسود الذي حشته ليلى الطرابلسي بكل أنواع الحقد الإجتماعي والنهب الممنهج فنحن حين نتحدث عن سوسيولوجيا الحقد لدى هذه المرأة لا نتحدث عن عقدة نفسية عابرة لامرأة صعدت من القاع إلى القمة بل نتحدث عن مشروع تجريف كامل للنخبة التونسية .
 ليلى التي خرجت من مدرسة الحلاقة لم تكن ترى في الأطباء و المهندسين و أساتذة الجامعات و البورجوازية الوطنية التونسية إلا أعداء طبقيين يجب تركيعهم أو مسحهم من خارطة الوجود السياسي .
 مارست هذه المرأة انتقاماً تاريخياً ضد كل من يملك شهادة حقيقية أو فكراً مستقلاً فاستبدلت الكفاءة بالولاء للرحم وحولت الإدارة التونسية العريقة إلى مفرخة لشهادات مزورة تُمنح لأبناء عشيرتها الطرابلسية الذين لم يشموا رائحة الكتب يوماً فصار الكلوشار و الباندي مديراً عاماً وصار تاجر الشنطة وزيراً في الظل وصار الأستاذ الجامعي يرتجف أمام مكالمة من حجامة القصر.
هذا الهدم الممنهج لم يكن عبثاً بل كان ضرورة بيولوجية لبقاء النظام لأن الجهل المقدس هو الوحيد القادر على حماية السرقة المقدسة فعندما تغيب النخبة و يُستبدل العقل بالغريزة الطرابلسية يصبح الوطن مجرد وليمة تُقطع في غرف النوم و تُوزع في الموانئ حيث رأينا كيف تم إذلال كبار رجال الدولة و تحويلهم إلى خدم لنزوات إخوتها و كيف تم تحطيم مؤسسات تعليمية عريقة مثل مدرسة بوعبدلي لمجرد أنها نافست دكانها التعليمي في قرطاج في رسالة واضحة مفادها أن العلم في تونس ليلى ليس وسيلة للارتقاء بل هو امتياز عائلي يُمنح و يُسحب بقرار من الحلاقة الملكية التي أرادت إعادة صياغة الوعي التونسي على مقاس جهلها و مركبات نقصها مما أدّى إلى حالة من الإستقالة الجماعية للعقل التونسي التي ما زلنا ندفع ثمنها في تخبطنا السياسي الحالي حيث فُككت الدولة الوطنية لصالح " العصابة العائلية و صار الوطن يُدار بعقلية الكنترا و التهريب التي هي اللغة الوحيدة التي تتقنها تلك العشيرة الجائعة التي لم تشبع يوماً من نهب أحلام التونسيين .
أما إذا غصنا في أحشاء الأخطبوط المالي لهذه المنظومة فإننا ننتقل من سوسيولوجيا الحقد إلى جيوسيولوجيا النهب الممنهج الذي ربط تونس بشبكات المافيا الدولية و الجنات الضريبية من دبي إلى بنما .
ليلى الطرابلسي لم تكن تسرق من الخزينة فحسب بل كانت تسرق المستقبل عبر هندسة مالية شيطانية حولت تونس إلى غسالة أموال كبرى يديرها صهرها المدلّل صخر الماطري و شقيقها الأكبر بلحسن اللذان أسسا إمبراطوريات وهمية قائمة على الريح وعلى  ٱبتزاز المستثمرين.
 ّفي تونس ليلى لم يكن هناك قرش واحد يدخل البلاد دون أن يمر عبر فلتر العائلة حيث كانت الصفقات الكبرى في قطاع الإتصالات والنقل والسيارات تُحسم بتلفون رئاسي يخرج من غرفة ليلى ليأمر البنك المركزي بفتح اعتمادات بالمليارات لشركات واجهة لا تملك من الأصول إلا اللقب .
إننا نتحدث عن نهب تجاوز الـ 5 مليارات دولار تم تهريبها في ذروة الأزمة عبر حسابات سرية في لبنان و سويسرا و كندا مستخدمين في ذلك شبكة معقدة من المحامين الدوليين الذين كانوا يتقاضون عمولات خيالية لتأمين طريق الحرير للسرقة الطرابلسية وقد رأينا كيف تحولت بورصة تونس إلى مسرح لهزلية كبرى حيث تُرفع أسهم شركات الصهر وتُهبط أسهم المنافسين بقرار سياسي لدرجة أن صخر الماطري استطاع في ليلة وضحاها الاستيلاء على بنوك و شركات نقل كبرى عبر قروض بلا ضمانات من أموال الشعب التي أُودعت في البنوك العمومية و كأن تونس تحولت إلى صراف آلي مفتوح لشهوات العائلة التي لا تنتهي و الأنكى من ذلك هو استخدام الدين كمخدر و مغسلة للأموال عبر مصرف الزيتونة الذي لم يكن إلا محاولة لشرعنة النهب بصبغة إسلاموية تتماشى مع موجة صعود الإسلام السياسي في المنطقة آنذاك لتكتمل الدائرة بين الحجامة  و السرقة و الدجل السياسي في منظومة توتاليتارية لم تترك للمواطن التونسي إلا الفتات بينما كانت ليلى تزن ذهب البنك المركزي في موازين الحقد والرحيل محولةً الدولة إلى أطلال و الجمهورية إلى نكتة سمجة في تاريخ العرب المعاصر واليوم و نحن نفتش في هذا الأرشيف العفن ندرك أن الطرابلسية ليست مجرد عائلة سقطت ، بل هي فيروس مالي لا يزال يتحكم في مفاصل الاقتصاد الموازي و يموّل الفوضى لكي لا تشرق شمس الحقيقة على ملياراتهم النائمة في جزر بعيدةبينما يئن الشعب تحت وطأة ديون خلفتها حلاقة أرادت أن تكون ملكة فوق جثة وطن .
إن هذا التجريف الممنهج الذي قادته ليلى الطرابلسي لم يكن ليصمد يوماً واحداً لولا التحالف القذر مع طبقة من التكنوقراط و الانتهازيين الذين باعوا شرفهم المهني في سوق النخاسة الطرابلسي فكان الوزير يوقع على بيع السيادة و هو يبتسم و كان الخبير المالي يشرعن النهب العائلي بكلمات منمقة عن تشجيع الإستثمار بينما كانت الحقيقة أن تونس كانت تُسلخ وهي حية .
 ولعل شهادة عماد الطرابلسي في لحظة صدق نادرة كشفت كيف أن السيستام كان أقوى من الأشخاص و كيف أن 
آل الطرابلسي لم يكونوا إلا الوجه القبيح لمنظومة فساد تغلغلت في النخاع الشوكي للدولة مما جعل من الثورة مجرد قطع للرؤوس بينما بقيت الأطراف و الخلايا السرطانية تعمل تحت الأرض .
 ليلى التي كانت تدير غرفة عمليات الحقد والمال من سيدي بوسعيد و قرطاج تركت وراءها دستوراً غير مكتوب للفساد لا يزال الكثيرون يطبقونه اليوم بحذافيره و حوّلت المصلحة العامة إلى نكتة يتداولها السماسرة في المقاهي الفاخرة
 مما يجعلنا اليوم أمام مهمة أركيولوجية كبرى ليس لاستعادة الأموال المنهوبة فحسب بل لاستعادة شرف الدولة و كرامة المواطن التي داستها أحذية عائلة لم تكن تؤمن إلا بالقوة و الذهب و الهروب الكبير .
إن فضح عش الدبابير هذا هو السبيل الوحيد لكي لا يخرج علينا طرابلسي جديد بملابس مختلفة و خطاب منمق فالحقيقة المرة التي يجب أن يواجهها التونسيون هي أن ليلى لم تكن تحكمهم من القصر فقط بل كانت تحكمهم من خلال الخوف و الحاجة و تزييف الوعي و هو ما يجب أن ينتهي بفتح كل ملفات الصندوق الأسود وبنشر أرشيف البنك المركزي و الديوانة و الاستخبارات التي كانت شاهدة و مشاركة في الوليمة الكبرى التي أكلت لحم تونس و رمت عظامها للأجيال القادمة .
                  (الأستاذ عماد عيساوي)
     "جمهورية الحجامة و النهب المقدس : الصندوق الأسود لليلى الطرابلسي والتشريح الجنائي لدولة العصابة"

mercredi 25 février 2026

تونس أولا

 

            تونس ليست فندقاً بلا أبواب بل هي قلعة قرطاجية مسيجة بهيبة الدولة والسيادة المطلقة.
التأشيرة الإلكترونية هي صك الكرامة الذي يسبق عبور العتبة التونسية المقدسة، أسوة بكل عواصم العالم والعروبة.
من يطأ أرضنا عليه أن يحمل أمانه الصحي وتأمين تنقله كشرط وجودي لا يقبل التفاوض أو الالتفاف.
السموم المهربة عبر الحدود ليست تجارة، بل هي سلاح كيميائي يستهدف جسد التونسي ويدمر أمننا القومي.
موروثنا الثقافي هو شيفرتنا الوراثية التي لن نسمح لسماسرة التاريخ بتزويرها أو السطو عليها بكل وقاحة.
نحن بصدد تفكيك بنى التبعية لنبني عمارة تونس أولاً فوق أنقاض الوهن والارتهان للخارج.
الجغرافيا هي قدرنا العظيم ومن لا يحترم حدودنا لن يجد له مكاناً في خارطة المستقبل التي نرسمها.
دستور قرطاج العظيمة هو الكتاب المقدس السياسي والاجتماعي الجديد الذي سيقطع دابر التيه والخراب.
نحن لسنا ظاهرة فايسبوكية عابرة بل نحن الزلزال المعرفي والسياسي الذي سيعيد ترتيب البيت التونسي.
تونس أولاً هي المنهج وهي الرصاصة الأخيرة في صدر كل من يتربص بسيادتنا وأمننا الغذائي والصحي.
المستقبل لنا والأيام بيننا وبين كل من يراهن على سقوط الدولة أو استباحة هويتها القرطاجية.
انتهى زمن اللامبالاة السيادية وبدأ عصر القبضة الوطنية التي تحمي الأرض والعرض والذاكرة.
                 (الأستاذ عماد عيساوي)

lundi 23 février 2026

الكلمات التي وصلت متأخرة

 

                قصة قصيرة من روائع الأدب الروسي
           للكاتب "أنطون تشيخوف"
      فلاح عجوز حمل زوجته المريضة في المقعد الخلفي من العربة التي يجرها حصان هزيل، حملها إلى المدينة البعيدة لعلاجها.
وفي الطريق الطويل، بدأ الرجل يتحدث،
يفضفض.. كأنما يناجي نفسه، ولكنه في الوقت نفسه يواسي زوجته المريضة التي عاشت معه طوال أربعين عاما في شقاء وبؤس ومعاناة، تكد وتكدح، تساعده في الحقل، وتتحمل وحدها أعباء البيت.
الآن..
أحس أنه كان قاسيا معها طوال السنوات الماضية، وأن عليه، الآن، أن يعاملها بلطف ولين، وأن يُسمعها الكلمات الطيبة،
قال لها إنه ظلمها، وأن الحياة أيضا ظلمتها، لأنه لم يجد الوقت في حياته اليومية ليقول لها كلمة طيبة حلوة وعذبة، أو يقدم لها ابتسامة صافية رقيقة كالماء أو يعطيها لحظة حنان!
وظل الرجل يتحدث بحزن وأسى، طوال الطريق والكلمات تحفر لها في النفس البشرية.. مجرى كما يحفر الماء المتساقط على الصخر.. خطوطا غائرة. ليعوضها ـ بالكلمات ـ عما فقدته خلال الأربعين عاما الماضية من الحب والحنان ودفء الحياة الزوجية وأخذ يقدم لها الوعود بأنه سوف يحقق لها كل ما تريده وتتمناه في بقية عمرها…
عندما وصل المدينة، نزل من المقعد الأمامي ليحملها من المقعد الخلفي بين ذراعيه لأول مرة في حياته إلى الطبيب  ولكن وجدها قد فارقت الحياة.. كانت جثة باردة.. ماتت بالطريق.. ماتت قبل أن تسمع حديثه العذب الشجي!
وإلى هنا تتوقف قصة الألم، التي كتبها تشيخوف ليتركنا نحن مثل الفلاح العجوز الذي كان يناجي نفسه ولكن بعد فوات الأوان.
فالكلمات لم تعد مجدية الآن..
فقد فقدت مغزاها!
نحن لا نعرف قيمة بعضنا إلا في النهايات!
أن تقدم وردة في وقتها خيرٌ من أن تقدم كل ما تملك بعد فوات الأوان..
أن تقول كلمة جميلة في الوقت المناسب خير من أن تكتب قصيدة بعد أن تختفي المشاعر..
لا جدوى من أشياء تأتي متأخّرة عن وقتها كقُبلة اعتذار على جبين ميّت.
"لا تؤجل الأشياء الجميلة.. فقد لا تتكرر مرة أخرى."
                                                      (منقول)

dimanche 22 février 2026

أفيون السجع

 
    اسمعوني جيداً وبلا مواربة فنحن لا نجلس هنا لنحتسي الشاي ونتبادل المجاملات الأكاديمية الباردة حول عصرٍ سمّوه الانحطاط بينما كان في حقيقتكم عصر التخدير الشامل بالكلمة الموزونة والقافية الرنانة التي سكنت في جماجمكم كالمسامير الصدئة.
 هذه النصيحة المسجوعة لم تكن أدباً بل كانت بروتوكولاً جنائزياً صممه فقهاء الظلام وكتّاب الدواوين المرتجفون لضبط إيقاع هزيمتكم النفسية وتحويلكم من فاعلين تاريخيين إلى مجرد ببغاوات تلوك الحكمة ليداري كل واحد منكم عجزكم الجماعي. 
حينما ترددون اليوم «من سار على الدرب وصل»، أنتم لا ترددون حقيقة جغرافية بل ترددون مانترا صوفية سياسية صُممت لتبرير مسيركم الطويل في التيه العثماني والمملوكي حيث لا وصول إلا إلى المقصلة أو القبر لكن القافية تجعل رحلتكم مستساغة.
تأملوا معي هذا القاموس الذي ورثتموه و هذه الأغلال اللغوية التي تمنعكم من التفكير خارج المربع الذي رُسم لكم بمداد الخوف.
 انظروا إلى قولهم «القناعة كنز لا يفنى» ألا ترون فيها مؤامرة طبقية كاملة الأركان صاغها لسانٌ مسجوع ليقنع جائعكم بأن خلوّ معدته هو كنز روحي بينما تكتنز خزائن السلاطين بذهب ضرائبكم؟
 هذه الكلمات التي ترددونها لليوم في بيوتكم وشوارعكم هي بقايا طعام من مائدة الانحطاط كلمات مثل المقسوم والمنحوس والمحروس؛ فالمحروسة كانت عواصمكم التي تُنهب والمقسوم كان فتات عيشكم الذي يرميه الوالي والمنحوس هو كل من حاول منكم أن يرفع رأسه ليقول لا. السجع هنا كان يقوم بدور الشرطي السري في جملتكم العربية فهو يغلق المعنى ويمنعكم من السؤال لأن القافية تفرض عليكم التسليم بالخاتمة دون نقاش.
خذوا مثلاً تلك القاعدة الذهبية التي لا تزال تحكم صالوناتكم السياسية والاجتماعية «دارِهم ما دمت في دارهم وأرضِهم ما دمت في أرضهم»، يا له من سقوط استراتيجي مروع تغلفه موسيقى الحروف، هنا السجع يشرعن نفاقكم الكوني ويحول جبنكم إلى حكمة ديبلوماسية ويجعل من مسح الأحذية فناً أدبياً تسمونه مداراة. 
أنتم تعيشون في عصر سجع مستمر، ترددون «في التأني السلامة وفي العجلة الندامة» لتبرروا بلادتكم التاريخية أمام شعوب ركبت الصواريخ واخترقت الوراثة الجينية بينما أنتم لا تزالون تتأنون في سوق العصر تنتظرون القافية القادمة لتخبركم أن الصبر مفتاح الفرج. 
أي فرج هذا الذي يأتي لمن ينتظر خلف أبواب التاريخ الموصدة بالسجع والتبجيل؟
انظروا إلى تغلغل هذه البنية في لغتكم اليومية حين تقولون «يا قاعد يكفيك شر الحوادث»، إنها قمة الأنثروبولوجيا الانهزامية المسجوعة التي تحرضكم على الشلل والقعود خوفاً من الحوادث التي هي في الواقع فعل التاريخ.
 أنتم تلوكون كلمات الستر والعافية والرضا ليس بمعانيها الإيمانية العميقة بل بمعانيها الانحطاطية التي تعني الاختباء تحت الرادار والهروب من المواجهة والقبول بالحد الأدنى من الوجود.
 إنها لغة الأقبية التي شاعت حين غابت الشمس عن عقلكم الجمعي فاستعضتم عنها ببريق الحروف المتشابهة. 
الرفيق قبل الطريق، الجار قبل الدار، العز في العزلة..
 كلها منظومات أمنية لغوية تدعوكم للتقوقع والشك في الآخر والهروب من فضاء الفعل الجمعي إلى فضاء الخوف الفردي المقفى.
أنتم اليوم ضحايا نظام تشغيل لغوي قديم جداً، نظام تم تحديثه شكلياً بالبدلات والربطات الملونة لكنه في الداخل لا يزال يعمل بآلية السجع التي تغيب وعيكم. 
حين يخرج مسؤولكم ليقول «الأمن والأمان، والنمو والاطمئنان» هو لا يتحدث إليكم بل يسجع عليكم، يمارس عليكم ذات التنويم المغناطيسي الذي كان يمارسه شاعر البلاط في القرن السادس عشر. 
أنتم شعوب طربية بامتياز تتمايلون طرباً للجملة المسجوعة حتى لو كانت تتضمن قرار إعدامكم. 
 الكلمات التي ساعدت على بقاء هذه العقلية هي كلمات المجاملة القاتلة مثل حضرتكم وسيادتكم وأفضالكم ونوالكم وهي مفردات كانت تزيّن نصائح السجع لتخلق مسافة هائلة بين الجلاد والضحية مغلفة بالاحترام الكاذب.
الحقيقة التي لا تريدون مواجهتها هي أن السجع كان الملاذ الأخير لعقلكم المهزوم فعندما عجزتم عن صناعة الفلسفة صنعتم القافية وعندما عجزتم عن بناء المدن بنيتم قصائد من الركام اللغوي. 
أنتم لا تزالون ترددون «من تدخل فيما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه» لتخرسوا ألسنة فضولكم العلمي والسياسي وترددون السكوت سلامة لتبرروا موت ضمائركم. 
هذه ليست أمثالاً هذه كمامات لغوية منسوجة بخيوط السجع الحريرية التي تخنق فيكم روح التمرد والابتكار. 
أنتم بحاجة إلى زلزال لغوي يحطم هذه القوالب الجاهزة ويعيد لكلمتكم خشونتها وصدقها بعيداً عن رنين الأجراس الذي لم يجلب لكم سوى النوم الطويل على أرصفة الحضارات الأخرى التي تكتب تاريخها بالنثر العاري والواقعية الصادمة بينما أنتم لا تزالون تنشغلون بضبط الفاصلة على إيقاع النازلة.
أريد منكم أن تتأملوا عمق الفاجعة في كلمة البركة حين تُسحب من سياقها الروحي لتوضع في سياق السجع التبريري كقولكم «القليل مع البركة كثير»، إنها حقنة مخدرة تُعطى لفقرائكم ليرضوا بنهب رغيفهم.
 أنتم ترددون هذه الخرافات اللغوية بوعي أو ببدون وعي وتورثونها لأطفالكم في مدارسكم التي لا تزال تُقدس المحسنات البديعية على حساب المحسنات العقلية. 
عصر الانحطاط لم ينتهِ تاريخياً بل هو مستمر في حنجرة كل من يفضل منكم جمال الجملة على حقيقة الواقع وفي كل نظام سياسي يستخدم السجع الوطني ليخفي الفشل الاستراتيجي.
 أنتم شعوب مسجوعة محكومة بقافية النون والميم في خطابات الوعود التي لا تتحقق وفي نصائح عجائزكم التي تختصر العالم في جملة تبدأ بالسين وتنتهي بالعين بينما العالم الحقيقي يتحدث لغة الأرقام والنتائج التي لا تعرف السجع ولا ترحم الساجعين.
فكروا في هذا جيداً قبل أن تطلبوا نصيحة أخرى: هل تريدون الحقيقة عارية وموجعة كالمشرط أم تريدونها مسجوعة ومنمقة ككفن حريري يغطي جثة حاضركم؟
 إذا أردتم الثانية فالمكتبات مليئة بكتب الانحطاط أما إذا أردتم الأولى فعليكم أن تتعلموا كيف تكسرون إيقاع القبيلة لتسمعوا صوت التاريخ.
 فهل أنتم مستعدون لأن تفهموا أن كل قافية رددتموها في صغركم كانت قيداً يمنعكم من القفز نحو المستقبل؟
 الرهان الآن ليس على ما تقولون بل على ما تجرؤون على الصمت عنه لكي تبدأوا في التفكير بجدية بعيداً عن طنين النحل الذي يسكن لغتكم المنتهية الصلاحية.
                                     (الأستاذ: عماد عيساوي)

Pages

Membres