كل العالم يلاحق كورونا ويريد قتلها في المهد، لكن لو طرحنا سؤالا معاكسا ( دون أن يكون بالضرورة مشاكسا): هل لكرونا فضائل؟ نعم لها فضائل لأنه من المعلوم أن التاريخ لا يتقدم غالبا إلا من جانبه السلبي. فالحروب أسهمت في التطور التكنولوجي وفي تحرير المراة، والاستعمار الأوروبي أسهم في التطور الجغرافي والطب وعلوم الملاحة الخ....
ما هي فضائل كورونا؟
-1- جعلت كورونا مجتمعات واسعة - وكثيرة العدد - تدرك أن هناك كائنات لا ترى بالعين يمكن أن تسبب المرض. يجب علينا أن نتذكر أن الجرثومة هي اكتشاف حديث ( القرن التاسع عشر)، ولم ينتشر الوعي بها إلا بشكل تدريجي وشمل المجتمعات المتقدمة، اما المجتمعات المتخلفة فقد بقي الوعي بقواعد الصحة يقتصر فيها على الفئات المثقفة. مصطلح جرثومة كان له في اللغة العربية القديمة معنى آخر وهو أصل الشيء. وكل الأطباء في العصور القديمة لم يكن لهم معرفة بهذه الكائنات.
-2- ساهمت كورونا في توحيد الإنسانية أمام مشكلة واحدة، وهو أمر قلما حدث في التاريخ إذ غالبا ما تنقسم الدول وتظهر احلاف ونظريات سياسية. كورونا أعادت الإنسانية لوحدتها البيولوجية الأصلية. نتعامل مع كورونا اليوم باعتبارنا كائنات واحدة لا فرق فيها بين صيني وايطالي.
- 3- ساهمت كورونا في استعادة الشرق ( غير المسلم) لبريقه القديم. فالصين واليابان تبدوان اليوم اكثر الدول انتصارا على كورونا. والصين بشكل خاص لن تبق بعد اليوم قوة غامضة وخارج عن سياق الانسانية بل دخلت وعي كل الناس. هذا تحول كبير لأن الغرب الاستعماري الأوروبي والأمريكي اكتفى حتى وقت قريب بالاعتراف بقوة اليابان والتعاون معها. اما ازاء الصين فقد كان يستعد لمعركة حضارية غايتها تهميش المجتمعات الصينية ( وقد بدأت هذه المعركة في بداية أزمة كورونا بالقول إن الصينيين يأكلون الكلاب والثعبان ). لكن هذه المعركة توقفت بسرعة بعد النجاح الصيني في مكافحة المرض.
-4- ساهمت كورونا في كشف أكذوبة الحضارة الغربية واظهرت انها حضارة راسمالية فقط وان امر شعوبها لا يعنيها كثيرا ( المانيا تمنع تصدير الكمامات الى ايطاليا والولايات المتحدة تعلق الرحلات الجوية نحو العالم). سقط القناع عن أكذوبة العولمة والاتحاد الاوروبي ومجموعة العشرين ومجموعة السبعة زائد واحد الخ... وظهر أن كل هذه المنظومات ماهي الا نقابات لراس المال.
- 5 - أعادت كورونا الاعتبار للدولة الوطنية وهذا سبب المديح لها في بعض الدول (مثل الدول الريعية البترولية) والاحتجاج ( في لبنان مثلا) الذي تلقاه الدولة الوطنية اليوم.
-6- فضحت كورونا الفكر الظلامي المتسلط وكشفت عن حدود قدراته العلمية والتكنولوجية والتنظيمية. ظهر هذا واضحا في ايران حيث لم تنفع بركات الايمة الملالي في تهدئة روع الناس.
-7- كشفت كورونا أن شعوبا كثيرة ما زالت غارقة في الجهل والتخلف. يظهر هذا في عدم الامتثال لمنع الجولان وفي الجدل الذي جرى في بلدان اسلامية كثيرة عن موضوع منع الصلاة في المساجد . لكن انتصرت الدولة بفضل كورونا واجبرت الناس على مغادرة التجمعات مهما كانت. وسوف يزيد هذا الأثر اذا ما تم منع الحج الى مكة هذه السنة.
-8- وفرت كورونا استراحة للطبيعة من جنون الإنسان. عادت السلاحف البحرية والعصافير وازدهار الصحراء وعاد صفاء الأجواء. ربيع هذه السنة سيكون أجمل من أي ربيع، خاصة في المدن الملوثة.
سيستوعب الإنسان درس كورونا دون أن يشعر وسوف يبقى أثرها في تاريخ لاحق.
د. محمد سعيد
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire