الثّلاثاء 15 سبتمبر 1992 كنت في مدرسة "جابر ابن سمرة" بمدينة "الرّياض" بالمملكة العربيّة السّعوديّة.. خرجت للعمل هناك عن طريق وكالة التّعاون الفنّي، رغم أن راتبي توقّف لأنني سأتقاضي غيره من وزارة المعارف الجهة المُشغّلة الجديدة، هذا الرّاتب الّذي سيكون ألفي ريال سعودي أي بزيادة خمسين دينارا فقط عمّا كنت أتقاضاه، دون أيّ امتيازات أخرى عدى ألف دينار بدل السّكن في السّنة، قد يستغرب البعض لماذا هذه المُخاطرة رغم المبلغ الزّهيد، لأنّني ببساطة أريد أن أركب طائرة، وأُدخِل الفرحة على أبنائي ببعض الهدايا، وأُطرد شيئا من الرّوتين والملل بعد مضي عشر سنوات من التّعليم في نفس القاعة ونفس الفصول..
هذه التّجربة لم تكن موفّقة، الحياة في "حيّ النّظيم" ب"الرّياض" صعبة جدّا ومحفوفة بالمخاطر، إلّا لمن يُتقن التّملّق والنّفاق، سكن رديء، وصُحبة غير مُنسجمة اُضطُررت للسّكن معهم كي أستطيع مُجابهة المصاريف وتوفير ما يمكن العودة به إثر هذه السّنة..
قدّمت استقالتي في الشّهر الثّاني كي أُشارك في حركة المُعلّمين بالسّفارة وأعود للعمل ببلادي كما كُنت.. اكتشفت في هذه السّنة التّخلّف الّذي تعيشه بُلدان الخليج العربي، نظام استعباد للعمّال من الدّول الفقيرة حيث يُفتَكّ لهم جواز سفرهم ويصبحون تحت تصرّف الكفيل يفعل بهم ما يشاء، نمط عيش يرتكز أساسا على التّسوّق والمطاعم الفاخرة والعبادة في المساجد الفخمة.. لا قانون لا ثقافة لا سنما لا مسرح لا مكتبات.. رُعب هيئة "الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر" الّتي تُرهب كلّ من يتخلّف عن موعد الصّلاة.. المواطن الأجنبي مُهدّد في أيّ لحضة بتطبيق الحدّ الشّرعي عليه تحت أيّ تهمة وبدون مُحاكمة.. قد تَحضر إثر كلّ صلاة جمعة عمليّة قطع الرّقاب بالسّيف أو قصّ لليد أو الرجم حتّى الموت بطريقة وحشيّة تُحِيلُك إلى عصر لم تر فيه الإنسانيّة أيّ تقدّم..
المدرسة تتوفّر بها كلّ وسائل الرّفاهة والمرافق المتطوّرة، لكن مُستوى التّعليم مُتدهور جدّا لدرجة أنّ التّلميذ في الفصل السّادس عاجزٌ على إجراء عمليّة جمع بسيطة أو كتابة جملة بدون أخطاء، السّبب هو الارتقاء الآلي وعدم وجود مُناظرات وطنيّة شفّافة ونزيهة وصارمة كالّتي كنّا نفتخر بها في "تونس" تونسنا الحبيبة..
الحمد الله كاف رجعتلنا لباس
RépondreSupprimerأتذكر هذه المرحلة الملعونة، ، تركتنا بعد أن كنت لنا الأب و الاخ النصوح فلم نصبر على فراقك ...
RépondreSupprimer