الناس معادن
بعد أن اختطف الأنذال ثورتنا، بدأت القطيعة والعداوات داخل الأسر التونسية.
قال لي: أنت كافر، وأنك لم تحسن تربيتنا؟!
قلت له: لا. لكني لم ألقنك، لم أشحنك ولم أتعسف عليك بافكاري.. تركتك تنمو على طبيعتك وتركتك حرا، كي تمارس تجربتك كإنسان، دون وصاية أو تدجين، فعشتَ صغرك وانت متعلق بي، كنتَ تلاحقني كظلي، كنتُ أعتقد أنه حبا، لكن اكتشفتُ، بعد فوات الأوان، أنها مصلحة فقط، لأنك كنتَ محتاجني..
عندما كبرتَ، تحصلتَ على ما تريد، وخرجتَ من خط الفقر الذي ترعرعنا فيه معا، الذي لم يشكل لي أي عقد. تحسن وضعك المادي ولم تعد تحتاجني، رمتك الأقدار مع ناس لا يشبهوني بل يكرهوني ويكرهون فكري اليساري، فكر العدالة الاجتماعي، فكر الوفاء لطبقتي ومعاناتها، يريدون قطع حبل الوداد الذي كانوا يحسدونا عليه.. وقاموا بواجبهم في النذالة والتوذين القذر وأرهبوك بأكاذيبهم. ملؤوا رأسك بإيديولوجيا الإرهاب والحقد المقدس.. ونجحوا فيما أخفقتُ فيه إلى درجة كرهتَ أهلك وأسرتك وإخوتك الحقيقيين الذين تخبطتَ معهم في نفس البطن، وعوضتَهم بما ساقته لك الأيام من آخرين، من إخوان حاقدين، فأصبحتَ تشاركهم حقدا على تاريخٍ، ذنبه الوحيد أنه أسعدنا، وأوقفك على رجليك..
من هنا وبعد مرور العمر آمنت بأن الناس معادن، وأن الأخ الحقيقي ليس من ولدته أمك ولكن من ساقته لك الأيام وكان معدنه صحيح.. كما قالت الأغنية المصرية: "الناس معادن ومن أغلى المعادن تجد ناس.. ناس كثيرين طيبين.. وناس كثيرين ليسوا بناس" (نجيب)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire