شتان بين نهضتنا ونهضتهم
في كل شيء، هناك كبير وصغير، وهين وخطير. كل الأمم مرت بمراحل ضعف وقوة، تخلف وتقدم. تحولات الشعوب تبدأ بأسئلة كبيرة تشخص وضعها وتحدد حلقات ضعفها من أجل اجتراح مقومات تطورها والتوجه نحو النهوض والتقدم.
تلك هي الحقيقة التي رآها ووقف أمامها العقل الأوروبي، تحديداً الإيطالي في مرحلة حاسمة من العقل الإنساني، عندما أشعل "آل ميدتشي" في مدينة فلورنسا الإيطالية مصباحَ العقل، بدأت حقبة جديدة في مسار الإنسان. ومنذ تولي "كوزيمو الكبير" 1389 - 1464 - وهو أحد أبناء عائلة "ميدتشي" في فلورنسا.. حكم فلورنسا، فتح الأبوابَ لكبار الفنانين وأنفق عليهم من دون تحفظ، وبعده جاء حفيده "لورينزو"، وقام برعاية الفلاسفة وأحيا الفلسفة اليونانية والرومانية وكذلك العربية وغيرها، وقام برعاية الفنانين الكبار ومنهم "فوتاشيللي"، و"ميكائيل أنجلو"، و"ليوناردو دافنشي"، وجمع أكثر من خمسين فناناً في فلورنسا.
رعت عائلة ميدتشي الفكر والفلسفة وأرسلت مبعوثين إلى كل مكان للحصول على الكتب، وقام المفكرون بدراسة أعمال "أرسطو" و"ابن رشد"، وعملوا على إيصال الفكر والفلسفة إلى كل فئات المجتمع، وكانت تلك أكبر خطوات الانطلاق نحو إنسان جديد لعصر جديد.
كانت الفلسفة هي قداحة النهضة، وكما قال سقراط لأهل أثينا: «أنا النحلة التي تقرص الحصان الأثيني الكسول». بدأ من قصر "فلورنسا" عصرٌ جديدٌ، سُمي «عصر النهضة»، ولكن الاسم الحقيقي كان الولادة من جديد أو الولادة مرة أخرى، وهي باللغةالإيطالية "rinascimento" أي استعادة مجد الإمبراطورية الرومانية من جديد. «النهضة تبدأ من أعلى» ذلك ما نستخلصه من التجربة الإنسانية، التي تكررت في عهد فريدريك الثاني الألماني الذي كان ملكاً فيلسوفاً وفناناً.
مكان المرأة في مجتمعنا، ظل لعصور طويلة مهتزاً، ولم تخفت الأصوات التي تتسابق على وأدها في حفر الماضي السحيق، وللأسف باسم الدين، وكأن نساءنا لم يكنّ من جنس النساء.
ما تطمح إليه الدول المتخلفة اليوم، ليس انفتاحاً بل هو إقلاع جريء نحو سماء النهوض والتقدم لولوج أبواب عصر جديد. بعد سنوات عُلقت فيها على هوية العرب والمسلمين سمة الدم والإرهاب والعنف والقتل، بأيدي ثلة من الشباب الذين دُفنت عقولهم في حفر ماضٍ متخيل، لا بد من إبداع عصر وطني جديد، لا يكون عالة على غيره في كل شيء، وأن يراجع بشجاعة حقبة رحلت وغطت فيها الشعارات الرغبوية، وهج العقل، وكانت النتيجة، شلل الكيان، ورقد الحصان الكسول قروناً.
(عن: عبدالرحمان شلغم، بتصرف)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire