الحضارة تنوع ثقافي
(بقلم: حسن عجمي)
الحضارة فن إنتاج ثقافات متنوعة. فكلما ازداد التنوع الثقافي ازدادت درجة الحضارة ورُقيّها. هذا لأنَّ التنوع الثقافي يتضمن قبول الاختلاف السلوكي والمعرفي والعقائدي وهو ما يدلّ على الارتقاء الحضاري. من هنا لا حضارة حقة بلا تنوع ثقافي واختلاف معرفي وعقائدي وسلوكي؛ لذلك نجد أنَّ المجتمعات التي تقبل المهاجرين المنتمين إلى ثقافات مختلفة تُعَدّ أرقى حضاريًّا من المجتمعات التي ترفض المهاجرين إليها. فبفضل اختلاف وتنوع المهاجرين تتطور آليات إنتاج المعارف والسلوكيات ما يُؤسِّس لاستنهاض الدول التي تشجِّع الهجرة إليها؛ لذا تعتمد العديد من الدول سياسة قبول المهاجرين لكي تستعيد حيويتها بقلوب وعقول جديدة.
المجتمعات التي ترفض التنوع الثقافي والاختلاف السلوكي مجتمعات مُغلَقة ومصيرها الانعزال التام فالاضمحلال، بينما المجتمعات التي تقبل التنوع وتُنتِج الاختلاف السلوكي والمعرفي مجتمعات منفتحة قابلة للتجدّد والاستمرار؛ لذا لا تستمر الحضارة سوى بقبول الاختلاف والتنوع ما يؤكِّد أنَّ الحضارة فن إنتاج ثقافات متنوعة وتطوير تلك الثقافات. أما الثقافة فهي فنون إنتاج المعلومات الصادقة والمفيدة ونشرها بين الناس فلا ثقافة بلا صناعة للمعلومات الصادقة وتوزيعها بين جميع الأفراد.
...إن كانت الحضارة فن إنتاج ثقافات متعددة ومختلفة، علمًا أنه من المستحيل نشوء ثقافات متنوعة والحفاظ عليها بلا وجود سلام، إذن الحضارة فن صناعة السلام. فغاية الصراعات والحروب تدمير ثقافة الآخر وبذلك الصراعات والحروب نقيض الحضارة الكامنة في إنتاج وتطوير الثقافات. من هنا من دون سلام أهلي وسلام بين الأنظمة السياسية يستحيل أن تنشأ الحضارة وأن تستمر وتتطور. السلام ضرورة وجودية فمن دونه تقاتل وتقتل الثقافات بعضها بعضًا فيزول الاختلاف المعرفي والتنوع السلوكي ما يُحتِّم انهيار الحضارة وزوالها.
(حسن عجمي)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire