vendredi 26 novembre 2021

هموم المثقفين

 "هموم المثقفين"
       ..المثقف الذي أردته، إنما هو إنسانٌ بضاعته أفكار، سواء أكانت تلك الأفكار من إبداعه هو، أم كانت منقولة عن سواه، ولكنه آمنَ بها إيمانًا أقنعه بأن يحياها، ثم لا يقتصر على أن يحياها هو بشخصه، بل يريد أن يُقنِع بها الآخرين ليحيوها معه، والأرجح أن تكون هذه الأفكار من الصِّنف الذي يغيِّر الناس نحوَ ما يُظَنُّ أنه الأفضل، على تفاوتٍ في ذلك بين فكرة وفكرة؛ إذ إنه من الأفكار ما مِن شأنه أن يغيِّر وجه الحياة على نطاقٍ واسع، ومنها ما ينحصر في جانبٍ ضيِّق من جوانب تلك الحياة. 
       المثقف الذي أريده بهذا الحديث، هو من طراز ديمقريطس الذي قال إنه يفضِّل لنفسه أن يظفر بفكرةٍ تتقدَّم بها الحياة، على أن يظفر بمُلْك فارس؛ المثقف الذي أريده هنا هو من طراز الجاحظ الذي كان بطريقةِ تفكيره وتعبيره، نقطةَ تحوُّل للثقافة العربية كلها من وجدان الشاعر إلى عقل الناثر؛ المثقف الذي أريده هنا هو الذي تمثَّل في عصر التنوير في فرنسا إبَّان القرن الثامن عشر، كما تمثَّل في جماعة إخوان الصفا عندنا إبَّان القرن العاشر؛ وهو الذي تمثَّل في الجمعية الفابية التي عملت بفكرها في الحياة الإنجليزية منذ أوائل هذا القرن حتى غيَّرت مجرى تلك الحياة تغييرًا عميق الأثر، أو هو الذي تمثَّل في الحركة الفكرية العارمة التي أشعلت جذوة النهضة عندنا خلال العشرينيات من هذا القرن، والتي ما نزال نعيش اليوم على ضيائها. 
       كل هؤلاء قد تجسَّد فيهم المعنى الذي أشرت إليه في تعريف المثقف، وهو أن يكون رجلًا بضاعته أفكارٌ يريد بها أن يغيِّر وجه الحياة إلى ما هو أفضل.
                    (زكي نجيب محمود)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres