خلافات، عنف، قطيعة
الخلافات السياسية تسبب القطيعة بين أفراد الأسر في تونس.
('راضية القيزاني" صحفية تونسية)
كشفت الأحداث الأخيرة التي شهدتها تونس تباينا في المواقف تجاوزت آثاره انقسام المجتمع التونسي إلى شقين، لتطال العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة. ويرى خبراء علم الاجتماع أن حالة من الانقسام الحاد والاستقطاب المرضي أصبحت السمة السائدة بين الأفراد في المجتمع التونسي...
من تداولوا على السلطة منذ العام 2011 ساهموا في تقسيم المجتمع إلى صنفين، كما صنفوا المرأة حسب مظهرها الخارجي إلى سافرة ومحجبة ومنقبة وهو ما أثّر على علاقات الأفراد فيما بينهم.
ويرى خبراء علم الاجتماع أن حالة من الانقسام الحاد والاستقطاب المرضي، أصبحت السمة السائدة بين التونسيين على مستويات عدة في القرى والمدن، وحتى بين أفراد الأسرة الواحدة والأصدقاء والمعارف.
وأرجع الخبراء ذلك إلى ما شهدته تونس من انقسام عقب أحداث يناير 2011، خصوصا وأن الذين تداولوا على السلطة منذ ذلك التاريخ ساهموا في تقسيم المجتمع إلى صنفين كما صنفوا المرأة حسب مظهرها الخارجي إلى سافرة ومحجبة ومنقبة هو ما أثّر على علاقات الأفراد فيما بينهم، وساهم في تشتت الأسرة ذات الانتماءات الفكرية والسياسية المختلفة وتمسك كل فرد برأيه وموقفه.
وقال "الصحبي بن منصور" أستاذ الحضارة التونسي بجامعة الزيتونة: "جرت العادة أن تنقسم الأسرة التونسية جراء الاختلافات الناتجة عن الانتماءات الرياضية المتباينة لأفرادها لاسيما في تونس العاصمة، وأعني بالانتماءات الرياضية الولع بإحدى جمعيات كرة القدم. فإذا دارت مباريات بين الفرق التي يتعصب لها أفراد الأسرة الواحدة يحصل الصدام العاطفي بين الخاسر والرابح من مشجعي الفرق داخل الأسرة الواحدة وحتى خلال النقاشات المنجرة عن ترتيب الفرق وأسباب هزيمة هذا الفريق أو تعثر مسيرته وسبب تفوق الآخر وتصدره النتائج"..
وأضاف لـ"العرب" أنه بعد ثورة 2011 صار الشعب التونسي شغوفا بالسياسة أكثر من شغفه بكرة القدم. ويلاحظ أنه بعد سنوات قليلة من عمر الثورة تم تجاوز قضايا الحرية والديمقراطية والشغل والكرامة الوطنية، لتجد الأسرة التونسية نفسها ضحية الصراعات الأيديولوجية والانتماءات الحزبية والسياسية لأفرادها.
وأكد أن هذا تم في مرحلة أولى بين تيار النهضة وبين أتباع النداء الذين يمثلون المنظومة القديمة، ثم بين أنصار الدستوري الحر والنهضة ومشتقاتها من جهة أخرى في مرحلة ثانية وبين أنصار الرئيسين منصف المرزوقي والباجي قايد السبسي، ثم بين مناصري قيس سعيد ومنافسه نبيل القروي، ولا نغفل في أثناء ذلك عن وجود يساريين أو شيوعيين أو جبهاويين داخل أسر كثيرة.
وأشار إلى أن هذا التنوع الفكري الخلاق ينبني أساسا على تبني قناعات سياسية ومبادئ للإصلاح تختلف من تيار سياسي إلى آخر لا تفسد للود قضية بين أفراد العائلة الواحدة، لكن الهزائم السياسية للأطراف التي ينتصر لها فرد من الأسرة قد تجعل هذا الأخير محل سخرية أو فذلكة أو مضايقة من إخوته من باب المزاح الذي يستبطن استنكارا على خياره أو توجهه غير الصائب من مقياس القبول أو التجاوب الجماهيري.
وقد يتحول التعصب أو المزاح إلى أحقاد أو قطيعة أو حتى عنف لفظي أو جسدي، لكن هذا في حالات نادرة جدا، وهكذا صدق الشيخ المصلح محمد عبده حين قال "إذا دخلت السياسة عقلا أفسدته".
وقال الخبراء إن الجميع أصبح يمارس نوعا من الرذيلة الحوارية، ليصبحوا مجرد قوافل ردود وقذف على كل ما يتحرك لمجرد خلاف في الرأي، وهم بردودهم النمطية قد تعدّوا على المنطق السليم، وابتعدوا عن الحوار بمفهومه ومضمونه الذي طالما تمنيناه كثيرا.
وأشاروا إلى أنه في الثقافة العربية فقط قد يتحول اختلاف الرأي إلى عراك كلامي مشحون بالانفعال الذي يقود إلى الإحباط والتشنّج، عن طريق النقد اللاذع أو التهجم على صاحب الرسالة والحط من وجهات نظره وتسفيه أقواله وجرح مشاعره وخدش اعتباره.
وقال الخبراء “لقد تربينا على فكرة الانتصار والغلبة والإفحام (وإلقام الآخرين حجرا). إذ نعتقد أننا يجب أن نسحق الجميع حتى لا يبقى غير صوتنا الوحيد. وليس على فكرة التعددية والتشارك ومحاولة الفهم والقبول بسلمية التعايش ضمن مجتمع متعدد.
وأضافوا أنه بمجرد ما أن يختلف اثنان في الرأي يتخذ الخلاف شكلا آخر ومنحنى آخر حيث يبتعد عن الموضوعية إلى الشخصنة، فلم يعد خلافا واختلافا بين رأي ورأي آخر، بل يصبح خلافا واختلافا بين شخص وشخص ويتحول الأمر إلى محاول إقصاء الآخر عن طريق إهانته، بل يصل الأمر إلى حد القطيعة والكراهية.
وأضافوا أنه بفضل الإعلام الأصفر الكاذب والطابور الخامس الذي لا هم له إلا خلق الفتن والأحقاد والنخب منزوعة الضمير ساد المجتمع مناخ من الخصومة المريرة والعداء والكراهية العالية شرقا وغربا.
الجميع أصبح يمارس نوعا من الرذيلة الحوارية، ليصبحوا مجرد قوافل ردود وقذف على كل ما يتحرك لمجرد خلاف في الرأي، وهم بردودهم النمطية قد تعدّوا على المنطق السليم.
وأكد الخبراء أن لوسائل الإعلام دورا هاما في تثقيف الأفراد وتجاوز تأثير اختلاف الثقافات الفرعية التي ينتمون إليها، كما يسهم بعض ما تتيحه من أفكار ومفاهيم في توفير بؤرة ثقافية مشتركة يمكنها أن تساهم في ضبط سلوكيات الأفراد وتوجيهها نحو تحقيق أهداف المجتمع التنموية في المجالين الاجتماعي والاقتصادي معًا.
واعتبروا أن الأسرة من أهم المؤسسات التربوية التي يعهد إليها المجتمع بالحفاظ على هويته وضبط سلوكيات أفراده لتأمين استقراره، وتشارك الأسرة العديد من المؤسسات التربوية التي يتوقع أن تعمل بصورة متساندة ومتكاملة لتحقيق الاستمرار والتوازن للمجتمع.
ويرى خبراء العلاقات الأسرية أنه لزامًا على أفراد الأسرة أن يتعلموا وينشروا ثقافة الحوار بأسلوب راقٍ ويروضوا فكرهم وأنفسهم عليها كي يتقبلوها عن رضا وقناعة وإيمان، وأن يكون نقاشهم موضوعيا دون أن يتعرضوا لخصومهم باتهامهم أو ازدرائهم أو إهانتهم.
وقال الخبراء إن التزام الأفراد بهذه الأسس والقواعد كفيل بارتقائهم في حواراتهم مع الآخرين، وكفيل بتغيير نظرتهم لأنفسهم ونظرة مجتمعهم لهم.
كما ينبغي الاعتراف بأن الاختلاف في المعتقدات الفكرية سواءً كان بسيطا أو كبيرا هو جزء من أي علاقة، ومن المهم عدم تعليق أهمية كبيرة على ماهيّة الاختلاف بل الاهتمام بطريقة احتوائه.
تقول ديانا بيرث في مقال لها بعنوان ست طرق لإدارة الاختلافات في علاقاتك المنشور في مجلة “سيكولوجي تودي” إنه من الجيد تجاوز فكرة أن الآخر مخطئ والانتقال إلى فكرة التعلم من الآخر وخلق مفهوم جديد يجمع بين الأفكار والقيم المتباينة بشكلٍ عادل.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire