mercredi 7 février 2024

الكون والخيال

 

     صحيح أن الكون بدأ من دون الإنسان، وسيبقى من دونه.. وصحيح أن الإنسان لم يكن هو البداية، ولن يكون هو النهاية، وصحيح أيضا أن كوكبنا الأرضي، الذي شهد نشأة الإنسان وتطوره، سينتهي بوجود الإنسان أو بعدم وجدوه.. لأن نشأة هذا الأخير، لا تختلف عن نشأة بقية الكائنات الحية.. لا تختلف نشأته عن نشأة النجوم والكواكب، التي تتحول على الدوام بين الاندثار وإعادة التشكل..
     لا يمكن القول أن الكون كبير جدا، لأنه لا نهائي وأزلي، واللانهائي والأزلي لا تنطبق عليه لا صفة الكبر ولا صفة الصغر.. أما عقولنا البسيطة، لا تستطيع أن تدرك هذا الامتداد، كما أن عيوننا عاجزة أن ترى ذلك.. لا أحد يمكن أن يتصور اللانهائي والأزلي أو يصوره لنا في محمل أي كان.. لأن أي محمل له حدود، له بداية وله نهاية.. 
في الرياضيات، لا نهاية بعد الصفر، لا نهاية قبله، لا نهاية بين العدد والعدد إذا اعتبرنا الأجزاء..
بما أن عقولنا الصغيرة والمحدودة، مهما تطورت على مستوى التعلم والإدراك، تبقى عاجزة على هذا الاستيعاب، لذلك نراها هي من ترسم لنا البدايات والنهايات بكل سذاجة وبساطة وعلى مقاسها.. أو يرسمه من يروم تقييدنا وسجن عقولنا تحت مسميات عدة..
الخيال وحده من يرسم لنا هذه الصور الماورائية، عوالم فيها خلود لما بعد الممات.. فيها الجزاء والعقاب.. وفيها إلاه عادل سيعوضنا عن المآسي والمظالم التي تعرضنا لها في الحياة..
 وبذلك نفسح المجال للخرافة المريحة، لتبعث فينا الأمل والراحة والأنس أو لتعبث بمشاعرنا كما تشاء ولغايات متعددة.. لتتلقفها العامة التي يزعجها رؤية الحقيقية المأساوية لهذا الوجود، حقيقة الوجود التي لا يعي بشاعتها سوى المثقف الواعى المتأمل، أو العالم والفيلسوف..
   فاعتبار الخرافة حقيقة، أو قل تحل محلها، مع تجريم شيطنتها، لتترسخ كعقيدة لدى العامة لتتعايش معها وتسعد، فى عالم من الأوهام، مخدرة بأحلامها الجميلة تارة وكوابيس مزعجة تارة أخرى، وقبول مريح للواقع والقدر والمكتوب..
لكن المحزن في كل هذا، التوظيف السيء لمافيا التسلط التي غايتها تخدير الشعوب وتدجينها، لتمرير مخططاتها الشيطانية..
                                  (نجيب)


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres