ما هي الحكمة؟
علميا: ما هي الحكمة؟
الإثنين 21 سبتمبر 2015 17:09 (صحيفة الاتحاد)
لو طلبت منك -عزيزي القارئ- أن تتخيل إنسانا حكيما.. فكيف ستتخيله؟
فكر معي قليلا في هذا الأمر.. ربما تتخيل رجلا كبير السن، له لحية بيضاء ويعيش منعزلا عن الناس في مكان ما.. متجهم أو جاد الملامح، وفي الغالب الأعم، هو رجل وليس امرأة!
فهل هذا ما تخيلته فعلا؟
تبدو هذه الصورة النمطية مترسخة في وجداننا الجمعي منذ زمن بعيد.. فقديما، كانت الحكمة مرتبطة بكثرة المعلومات المكتسبة من تجارب الحياة الطويلة، واحترام السلطة الأبوية وسواد قيم المجتمع الذكوري. في هذا الوقت كان يمكن تعريف الحكمة ببساطة بأنها: "الإصابة في القول والعمل!" و هو تعريف سهل ينتمي لعصر بسيط كانت فيه الإجابات حاسمة والصواب واضح محدد المعالم.. أما اليوم، فقد تشابكت التفاصيل وتشعبت العلوم والمناهج والآراء والمعطيات وزادت تعقيدات الحياة بشكل لم يعرفه القدماء، لدرجة جعلت هناك أكثر من صواب يتفاوتون في مدى صلاحيتهم في الموقف الذي نتحدث عنه. فما تراه أنت "صوابا" قد يراه من ينتمي لمجتمع آخر أنه حماقة.. يبدو أنه لم يكن سائدا عند القدماء فهم هذه النسبية في فهم مجريات الأمور.. فكانت الحكمة هي معرفة الأبيض من الأسود وكفى!
حسنا.. في عصرنا الحديث، مع تطور العقل البشري وفهمنا للنسبية المتغلغلة في فلسفات العلوم الأساسية ذاتها.. كيف يكون الإنسان حكيما؟ وما هي الحكمة أصلا؟
علم الحكمة
شغلت الحكمة بال علماء النفس مؤخرا، و راحت مراكز الأبحاث والمعامل النفسية تجري دراساتها لفهم طبيعتها ومحدداتها وصفات من يتحلون بها. وظهرت بالفعل عدة تعريفات وزوايا تناول لهذه الظاهرة المعقدة.
فمنهم من رأى أن الحكمة مرتبطة بالذكاء.. ومنهم من رأى أنها مرتبطة بالمعرفة وخبرات الحياة.. ومنهم من قسمها لحكمة كبرى (متعلقة بالقضايا الفكرية والعلمية المتعلقة بالبشر ككل) وحكمة صغرى (متعلقة بتفاصيل الحياة اليومية).. إلى أن جاء مشروع علمي كبير سمي "مشروع برلين للحكمة" جمع نخبة من العلماء لدراسة طبيعة الحكمة وسمات الحكماء..
قالوا أن الحكمة لا علاقة لها بالذكاء، أي أن الأذكياء ليسوا حكماء بالضرورة. فالحكمة مرتبطة بصفات عقلية أخرى يمكن تبسيطها كالتالي: المعرفة- فهم السياق- المنظور- تحمل الغموض! فتعالوا نتعرف علي كل نقطة معا.
1- المعرفة: المعلومات هي المادة الخام للفهم، فلابد للحكيم أن تكون عنده معلومات ومعطيات متجددة تمكنه من فهم الأمور وكيفية عمل الأشياء، قبل أن يقدم على إصدار أحكام أو استنتاجات عامة. فالشخص الحكيم لا يفترض أن يكون جاهلا في المجال الذي يمارس فيه حكمته لو صح التعبير. بل هو شغوف بالتعرف على المعلومات الجديدة والتدقيق فيها وربطها بالخبرات والمعارف السابقة لفهم الأمور وتكوين صورة متكاملة.
مثال: كثير من الناس يستقبلون معلومات دون تدقيق في مصادرها، او لا يهتمون بمعرفة المعلومات الجديدة، فبالتالي قد تكون أحكامهم خاطئة رغم قدرتهم على التفكير المنطقي!
2- السياق: المعرفة ليست كافية ليكون الشخص حكيما. فإدراك نسبية المعرفة وكيفية تطبيقها في سياقها الصحيح مهم أيضا. فالشيء الجيد قد يصبح سيئا لو طبقناه في سياق مختلف، و الحل المعتاد قد يعقد المشكلة لو حدثت في سياق آخر، وما يناسب شخصا قد لا يناسب غيره في بيئة مختلفة. أي أن الحكمة مرتبطة بتمييز المتغيرات وفهم الظروف والملابسات، قبل تطبيق شيء ما بحجة أنه كان صالحا في سياق آخر!
مثال: النصائح الاجتماعية للآخرين (مثل مواصفات الزوجة المثالية أو أفضل مجال للعمل..إلخ) غير صالحة لكل زمان و مكان، فلا يجوز تعميمها لمجرد أنها جاءت بنتيجة جيدة معك أنت، لأن الناس لهم ظروف وأولويات وتفضيلات وثقافات قد تكون مختلفة عنك. فهذه النصائح صحيحة في سياق محدد، وقد لا تكون كذلك في سياق آخر.
3- المنظور: إدراك أن الحقيقة يمكن فهمها من أكثر من زاوية، لا زاوية واحدة فقط. فهذا الأمر يعطي اتساعا للرؤية وقدرة على فهم الأمور من منظور أكثر رقيا من الشخص العادي الحبيس وجهة نظره المتوارثة غالبا. الحكيم شغوف بمعرفة الآراء المتنوعة وأسبابها وفهم منطقها ومبرراتها.. فيتعمق -مثلا- في فهم الآراء المختلفة لكافة أطراف النزاع ، قبل الحكم عليه.
مثال: قصة العميان والفيل: كل كفيف يلمس جزء من الفيل ويعتقد أنه يصفه بدقة.. بينما الكفيف الحكيم يدرك أن الحقيقة أكثر من مجموع وجهات نظرهم مجتمعة!
4- تحمل الغموض: كثيرا ما يلجأ الإنسان لأسهل التفسيرات المتاحة، لمجرد أنه لا يستطيع أن يتحمل الغموض الناتج من عدم وجود تفسير أصلا! إلا أن الشخص الحكيم يستطيع تحمل هذا الغموض، وعدم التعصب لتفسير ما لمجرد أنه التفسير الوحيد أو الشائع، فالمعلومة التي أنت متيقن منها تماما، قد تكون خطأ! فما يعتقد الشخص الحكيم أنه صواب، هو -بالنسبة له- أفضل التفسيرات الممكنة لحين اكتشاف تفسير أفضل.
مثال: القدرة على إعادة تقييم الأفكار الشائعة طبقا للمعارف الجديدة. كتقبل أن الشمس لا تدور حول الأرض رغم معارضة رجال الدين للموضوع عند اكتشافه.
كيف يعيش الحكيم حياته؟
هذه هي الصفات التي وجد علماء النفس أنها تميز الشخص الحكيم عن غيره.. و قالوا أنها ليست مقتصرة على كبار السن بالضرورة، فالشخص قد يصل لسن كبير وتبدأ قدراته المعرفية في التدهور.. بينما قد يكون المرء شابا كثير التجارب والقراءة والثقافة لدرجة تجعله أكثر حكمة من كبار السن.
يمكن وصف الحكمة بأنها عملية مستمرة في حياتنا، تزيد قليلا أو تنقص قليلا، لكنها ليست صفة ثابتة كلون العينين مثلا.. أي أنها مورد نفسي مهم على الإنسان أن يبذل مجهودا للحفاظ عليه و تنميته وصقله باستمرار كي لا يندثر...
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire