الإنسان كائن طقوسي
الأعياد والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية المقدسة.. عادات ومعتقدات أنتجها الإنسان منذ زمن البدايات.. وفي كل الحضارات.. ليمارس من خلالها إحدى أهم أصناف طقوسه المقدسة.. والتي تسمى في الانتروبولوجيا الثقافية بطقوس العبور.. العبور في العمر.. والعبور في الوضع الاجتماعي.. والعبور في المكان.. وغيره.. وتبقى أكثر طقوس العبور تشاركا بين الثقافات هي طقوس الخروج من السنة المنقضية وطقوس الدخول في العام الجديد.. سواء كانت سنة فلاحية بالنسبة للفلاحين.. أو حلول مواسم الصيد بالنسبة للصيادين.. أو طقوس السنة الإدارية أو الدينية وغيرها.. وفي ذلك تختلف الثقافات باختلاف الطبيعة وبيئة المعيش البشري.. وطرق الإنتاج وطبائع الصنائع والعمران على حد تعبير بن خلدون.. ولعل أهم ما يميز الطقوس أنها ممارسات وهمية يعتقد الإنسان من خلالها أنه بالفعل يقفز من مرحلة إلى أخرى.. أو يخرج من حال إلى حال.. مع أن أشد ما يتأسس عليه الوهم هو قوة الرغبة.. إذ يرغب الإنسان دائما في أن يكون الأفضل كسبا والأوفر حظا.. فالطقوس بهذه التصورات تعيد لكل إنسان أنهكته الحياة في الحالة المنقضية أو السنة المكتملة.. الثقة في الحلم من جديد.. والأمل فيما يلي ذلك العيد أو الطقس السعيد.. ولا توجد عبر تاريخ الحضارات جماعات تعيش بدون طقوس.. فالإنسان كائن طقوسي بامتياز طبيعي.. كما تقول عالمة الأنتروبولوجيا ماري دوغلاس.. وذلك بإبداع وثبات مع انخراط دائم في نسق التحولات وما يفترضه ذلك النسق من تجديد ثقافي للطقس.. إذ لا يتزوج بدون طقوس ولا يستقبل مولودا بدون طقوس ولا يتنقل ولا يسكن منزلا جديدا ولا ينجح ولا يرتقي في حياته بدون طقوس.. وهو حتى لا ينام ولا يصحو بدون طقوس.. وأيضا لا يدفن موتاه ولا يودع مفارقيه ولا يزور آثارهم أو يذكر أخبارهم بدون طقوس.. فالطقوس سواء كانت سعيدة أو حزينة.. دينية أو سحرية أو اجتماعية.. سواء كانت دورية أو تلقائية.. فردية أو جماعية.. لفظية أو حركية.. ممارسات لها أبعادها وفعالياتها الرمزية التي لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدونها.. لقد فرض الإنسان على نفسه أنساقا معتقدية قهرية.. من أجل إقدار نفسه على احتمال ثقل الزمن من خلال تقنية ذهنية تشتغل بمنطق خاص.. وهو منطق تقسيم الزمن الى قطع وحقبات.. أو ترتيب حياته في مراحل تتوقف عند فواصل محددة تستوحى من تعاقب الأوقات والفصول وبيئة الإنتاج من ناحية.. ومن طبيعته الذهنية وموروثاته الثقافية من ناحية أخرى.. تلك الفواصل التي توقف العدّ.. لتبدأ من جديد.. وإذا كان أرسطو يعتبر الإنسان حيوانا سياسيا لا يستطيع العيش خارج سلطة الجماعة المدنية.. فإن الإنسان أيضا كائن ثقافي بالطبيعة.. أو كما يقول عالم الاجتماع والسياسة والاقتصاد الألماني ماكس فيبر: "الإنسان حيوان اجتماعي عالق في شبكات رمزية نسجها بنفسه حول نفسه.."
من خلاصة رسالة الماجستير (صديقة بن سعيد)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire