samedi 20 février 2021

إفلاس عقلي وعاطفي

            وتعلمت ألا أكون أسير رأي أو كتاب فإن مؤدى هذا الأسر الإفلاس العقلي والعاطفي. وفائدة الكتب أن يقرأها الإنسان ويدرسها ويفكر فيها، ويضيف عقول أصحابها إلى عقله، لا أن يظل أسيرها، ولست أحتاج إلى مثل هذه الوصية، لأني أنسى ما أقرأ والنسيان آفة، ولكن ضيره يسير. وكون المرء قد نسي شيئاً ليس معناه أنه لم ينتفع به، أو أن هذا الشيء اندثر وانمحى، فإنه يبقى وراء الوعي وإن كان لا يطفو على السطح ولا تلم به الذاكرة فلا يسعفها حين تطلبه، والفائدة العقلية تحصل على الحالين، سواء نسي المرء ما قرأ أم تذكره، كما تحصل الفائدة من الطعام وإن نسي المرء ما أكل. 
           والمعول على الهضم، فإن العقل ليس رفوفاً يصطف عليها ما يقرأ المرء أو يدرس، وقد لقيت غير واحد في مصر وغيرها من الشرق والغرب تروعك كثرة محفوظهم، ولكني كنت إذا استطردت معهم إلى البحث يدهشني عجزهم على التفكير السديد، فهؤلاء قد حفظوا كثيراً، وزادت ذاكرتهم قوة بالمرانة، ولكنهم لم يهضموا ما قرؤوا ولم يثقفوا به، فصاروا أشبه بمكتبة متحركة، لا خير فيها لنفسها، وما من أحد يستطيع أن يحفظ كل ما يقرأ، غير أن ما من أحد يعينه أن يفهم ما يقرأ، إلا إذا كان بليداً غبياً أو كان الموضوع من غير بابه، فيجيء فهمه ناقصاً، وقدرته عليه محدودة. والفهم هو المهم، والرياضة العقلية هي التي عليها المعول، وهي الغرض من قراءة الأدب ودرسه. وأعني بالرياضة العقلية تزويد المرء بالمعارف اللازمة وتوسيع أفقه، وشحذ قريحته، وإرهاف حدها، وتعويده التفكير المستقيم وتدريبه على التأمل والنظر.
(إبراهيم المازني)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres