mercredi 24 février 2021

منزل نسكنه ويسكننا

       المنزل الذي نسكنه يسكننا، إنه محطتنا الأولى والأخيرة، ووجهتنا المحبوبة التي نحط بها الرحال لنستريح من ضغط التجوال وعبء الأشغال. ومهما حلّقنا بعيدًا عنه، فلا بد لنا من أن نؤوب إليه. هو العش الجميل الذي نؤثثه على شاكلتنا لأنه صورة ناصعة ومرآة شفافة تعكس أحوالنا وتحاكي أرواحنا بوعي أو بغير وعي: بين امتلاء وفراغ، وهدوء وارتباك، وعناية وإهمال.. إنه موطن الذكريات ومجمع الأسرار والأمنيات. وهو أيضًا المقر الدائم والمأوى الملائم والمثوى الملازم. وعندما تتنكّر لنا المنازل التي قد نتخذها بديلاً ثانويًا عنه في سفر عابر أو إقامة مؤقتة، يفتح هو ذراعيه ليستقبلنا بدفق من حنان وفيض من اطمئنان. 
      أحيانا، تتبلبل أذهاننا فنفقد الرغبة في ترتيب أفكارنا فينعكس ذلك على ممتلكاتنا التي ألفناها منسقة داخل المنزل. وفي غفلة منّا، تعم الفوضى أرجاءه، ويتلبّسنا البحث المضني في غرفه ودواليبه عن أشيائنا التي ضاعف غيابُها من قيمتها: عن كتاب يقطع اليقين بوجوده، ويبدّد الشكُّ كل فرصة للعثور عليه، أو ربطة عنق مميزة نابت صورتها الذهنية عن وجودها العيني، فكان اختفاؤها سببًا في التحرر والاستغناء عنها... لكنّ هذه الفوضى تعدّ في عُرْفِ التحليل النفسي مرحلة عابرة تتصل بأعراض نفسية أو اجتماعية تنجم عن أعباء الحياة اليومية بين أفراد المنزل، وبزوالها تأخذ الأمور منحاها الصحيح ويتجسد الدفء والحميمية في تأثيث فضاءاته الداخلية وتزيينها من خلال استعراض متجدد لمعالم جمال إنساني يستبصر امتداداته وتمظهراته المتنوعة في كل ركن من أركان مسكننا الأصيل ووكرنا الحصين. (منقول)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres