التسامح مهمة عالمية
التسامح مهمة عالميّة في عصر العولمة
عن (رشيد الخيون) بتصرف.. (رسالة تعايش وسلام)
كانت ساحات العواصم الأوروبية الكبرى أمكنة للرعب الديني، بينما تحظى اليوم بالحريات الدّينية الواسعة، والتسامح الديني منقطع النّظير، ليس بمعنى عفو القوي عن الضعيف، إنما بمعناه الأعمق؛ التعايش المريح على أساس المواطنة ودولة القانون، أي تعايش لا فقط تساكن، ولم يتم ذلك إلا بعد إلغاء فكرة وممارسة الانتماء الديني معيارا للمواطن الصالح، بل قضية شخصية، لا عقوبة على الالتزام بها أو عدم الالتزام، لأن الأمر مرجعه لله.
ربما لم تكن الحاجة ماسة وضرورية إلى التسامح الديني، مثلما هي الآن في عصر العولمة، والذي يعني تقارب الشعوب واختلاطها، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، عبر الاقتصاد والاجتماع، وتطور أدوات التواصل الاجتماعي إلى ما يعبر عنه بـ”لمح البصر”، من أدنى الأرض إلى أقصاها.
فالتّسامح لم يعد مهمة وطنية أو مهمة دولة وشعب، إنما مهمة العالم كافة، بمعنى أن يحصل التّعاون والأخذ بالتّجارب في هذا الشأن.. إن مقولة “حرية الضمير”، تحتاج إلى وطن يتحمل الجميع، على مختلف أديانهم ومذاهبهم..
إن نجاح أوروبا في تحقيق التّسامح دَعمه النص الديني، مثلما هو متوافر لدينا، من آيات وأحاديث ووصايا، ولا يؤخذ علم “النّاسخ والمنسوخ” بنظر الاعتبار، لكونه جاء لإلغاء أو حذف العشرات من النصوص التي لا تسمح بالعنف الدّيني وتوصي بالتعايش والتسامح، ومن بداية القرن العشرين ظهرت محاولات لنبذ الدكتاتورية الدينية، على أنها أفظع من الدكتاتورية السياسية، بل إحداهما تدعم الأخرى.
كانت لفظة “التسامح” (Tolerance) متداولة في القرن السادس عشر الميلادي، بسبب السّعي من أجلها والحاجة إلى تأكيدها، وقد حافظت على معنى القبول والتحمل السلبي، الذي يطل من مؤلفات كبار الأدباء. وكان فعل التسامح متداولا منذ زمن طويل دُوِّن مصدره في معرض الحديث عن الحرية الدينية، حتى ظهرت رسالة جون لوك (ت 1704م) “التسامح”، ورسالة فولتير (1778م) “التسامح”، فأصبحتا مادة ثقافية ومعرفيّة لتكريس فكرة التسامح، وما ظهرت هاتان الرسالتان، إلا بعد تجربة من التشدد والعنف، بسبب ديني.
من المعلوم أن السعي إلى تحقيق “التسامح” احتاج إلى “إصلاح” ديني وعصر نهضة، في مختلف المجالات، فلولا وجود الأخير ما بُحث في شأن الأول. ويرى المؤلف، أن أكثر الثّوريين على الكنيسة، في القرن السادس عشر، لم يظهروا بالمظهر الثوري للإطاحة بالماضي برمته.
لا يتحقق التَّسامح، على المستوى العالمي، بل الوطني والإقليمي، بلا قبول للتنوع الإنساني، الديني والمذهبي، وكل ما اختلف فيه البشر، من اللون والعرق..
أمريكا والاعتراف الديني..
حرص الرئيس الأميركي الثالث "توماس جيفرسون" (1801-1809) على اقتناء نسخة من القرآن الكريم، لأنه سياسي طموح ومثقف يرنو إلى تأسيس دولة مدنية تضم الجميع. لهذا تحرك مبكرا في التخفيف من الرِق، ومعالجة قضية الهنود الحمر، ولأنه كان صاحب اطلاع على ثقافات الشعوب، وذا اتصال مع الحكام المسلمين بشمال أفريقيا، طرأ على باله أن المسلمين سيكونون جزءا من تركيبة المجتمع الأميركي، إلى جانب بقية الأديان. كانت هذه الأفكار حاضرة في ذهن أحد بناة الولايات المتحدة الأميركية، وكاتب لائحة استقلالها (1776)، هذا ما تحدثت عنه المؤلفة الأميركية "دينيس.أ.سلبيرغ"، الأستاذة المشاركة في تاريخ ودراسات الشرق الأوسط في جامعة تكساس، في كتابها الثري “جيفرسون والقرآن.. الإسلام والآباء المؤسِسون”، الصادر بالإنكليزية عن دار “نوبف” بنيويورك (2013)، ثم أصدرت دار “جداول” نسخته العربية (2015)، تولى ترجمته فؤاد عبدالمطلب. كان اهتمام جيفرسون المبكر بالإسلام والمسلمين دفع البعض إلى اعتباره مسلما، ويعني هذا الاعتبار في القرن الثامن عشر، وفي الوسط الإنجيلي والكاثوليكي، سلبيا، على شخصية سياسية تطمح لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية.
ربما لم يتوصل جيفرسون إلى فكرة بناء الدولة والأمة المختلطة، إلا بعد تأثره بالفيلسوف البريطاني "جون لوك"، فقد أخذ يقتبس من مؤلفاته فكرة المدنية في الحكم، خصوصا رسالته في “التسامح”.
هنا يأتي دور التعاضد بين المثقف والسياسي أو الحاكم الراشد، إن صحت العبارة. وهذه الثنائية ساهمت بنقل أوروبا من الحروب الدينية الطويلة، وظروف التعصب الديني والمذهبي القاسية إلى رحاب المدنية في الحكم وإدارة المجتمع.
التنوع الإنساني قوة.. ولا يغدو هذا التنوع سمة من سمات الدول والمجتمعات المختلطة، بلا إدارة مخلصة تتبناه بموجبها الدولة كأحد ثوابتها، ثقافة وممارسة..
إن مقولة “حرية الضمير”، تحتاج إلى وطن يتحمل الجميع، على مختلف أديانهم ومذاهبهم..
عن (رشيد الخيون.. كاتب عراقي)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire