الغائب الحاضر: فرج فودة… الفكرة التي اغتالها الخوف ولم تنتصر عليها الرصاصة
******
ما أثقل الذكرى حين تعود لا بوصفها حنينا، بل بوصفها محكمة
تحاكم صمتنا، جبننا، ورضوخنا التاريخي بأن يدفن الضوء حيا
في مثل هذا اليوم، لم يغتال رجل فحسب
بل اغتيل العقل عندما بدأ يستفيق،
واغتيل السؤال حين حاول أن يمد يده نحو الحقيقة
واغتيل الأمل، لأن أمثاله لم يكونوا رجالا فقط، بل كانوا بدايات محتملة لعصر مختلف.
حين قتل فرج فودة، لم تسكت بندقية جسدا فقط،
بل سحق ما هو أعمق: ضميرا كان يكتب في زمن كان الضمير يباع في سوق المناصب والفتاوى
خسارته لم تكن خسارة مثقف أو كاتب
بل كانت خسارة نادرة لشخص امتلك الجرأة أن يفكر بصوت عالي.
في بيئة تقدس التلقين وتجرم السؤال
لقد كان عقلا يمشي على الأرض، لا يريد أن يحكم، بل أن يفتح أعين المحكومين.
لا يريد سلطة، بل مساحة للتفكير.
و لكن ما أشد فقر الأمم حين تصبح هذه المطالب تهما يعاقب عليها القانون أو ينهيها السلاح
كان خطرا، لا لأنه كان عدوا للدين كما ادعوا،
بل لأنه فضح تدينهم الزائف
كان خطرا، لا لأنه حارب الإسلام، بل لأنه
كشف كيف يستغل الدين ليخدر الناس، ويجرهم من نور النهار إلى كهف الطاعة العمياء
كان خطرا لأنه قال:
إن أخطر ما في الفكر الظلامي ليس أنه يقتل المفكرين، بل أنه يحول الأحياء إلى موتى يخافون الكلام
وقد فهم خصومه هذا جيدا، فاختاروا قتله لا مجادلته،
لأن القاتل يعرف دوما أن الهزيمة تبدأ حين يتكلم العقل
في مؤلفاته من "الحقيقة الغائبة" إلى "الارهاب"
لم يكن فرج فودة يهاجم، بل كان ينقب في عمق الموروث، يفككه بجرأة الطبيب لا بغضب الهادم
ويكتب لا ليربح جمهورا، بل ليوقظ القلة التي لا تزال تقرأ كي تفهم لا كي تسلم.
لقد أرادنا مواطنين لا رعايا، مفكرين لا مكررين، مؤمنين لا مستأجرين للإيمان
لقد خسرنا..
خسرنا مثقفا حرا في زمن صار المثقفون فيه إما أبواقا أو صامتين
خسرنا لغة العقل، واستبدلناها بلغة التخوين والتكفير والتكبير على القبور لا على الحياة.
خسرنا التنوير لا ككلمة جميلة، بل كمشروع بدأه مجموعه مثقفين
وكان فرج فودة أحدهم، بل أشدهم صدقا، وأغزرهم جرأة
خسرنا درسا كبيرا، وما زلنا نكرره:
نقتل النور حين يولد، ثم نشكو من الظلام
ومع كل ذلك، لم يمت فرج فودة.
لأن الذين يكتبون بصدق، يخلدون بالمعنى لا بالجسد.
ولأن كل حرف من كلماته، يُوقظ اليوم من لم يُدركه الأمس.
في ذكرى استشهاد فرج فوده نحن لا نبكي، بل نستدعيه.
نستدعيه في حوار صادق فقدناه
في جامعة خافت من مناقشة التاريخ
في تلميذ يريد أن يسأل، لكن يخاف أن يسمى "مشبوها".
في أم تريد أن تعلم ابنها المحبة قبل العقيدة، والحرية قبل الطاعة
لقد فشل قاتلوه في وأد فكره، لأن النور لا يحبس في قنينة، ولا يسكت بفتوى، ولا يحاصر بالرصاصة
ها هو حي في عقول الشجعان وفي صفحات الوعي والتنوير
وفي كل سؤال صغير يطرح في حضرة فكر كبير.
لم يكن نبيا، لكنه كان ضروريا
في زمن كانت الضرورة القصوى أن نعيد اكتشاف إنسانيتنا
أن صوت العقل، وإن أخرس بالرصاص، يظل يهمس في جوف التاريخ
شكرا لك أيها المثقف القدير فرج فوده لأنك مت كما كنت: واقفا، مبتسما، متمسكا بالعقل حتى الرصاصة الأخيرة
وشكرا لأنك علمتنا أن الصمت جريمة، وأن الفكرة لا تقتل، بل تتكاثر إن أريق دمها
شكرا، استاذي لأنك منحتنا المعنى حين أرادوا أن نعيش بلا معنى
ولأنك مت واقفا، في زمن اختار الناس فيه أن يعيشوا راكعين..
(ابتهال عبدالوهاب)


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire