mardi 24 juin 2025

الغريب

 
         تخيل نفسك على شاطئ الجزائر في ثلاثينيات القرن الماضي، تحت شمس حارقة تكاد تُذيب كل شيء. ترى شابًا يُدعى ميرسو، يقف هناك، لا يُعبّر وجهه عن أي انفعال. وصله خبر وفاة والدته، لكنه لا يشعر بالحزن التقليدي الذي يتوقعه المجتمع. حضر الجنازة، لكنه لم يبكِ. لم يُعبّر عن أي من المشاعر المتوقعة منه، وكأنه غريب عن هذا العالم، أو كأن العالم غريب عنه.
     هذا الغياب الظاهري للمشاعر ليس قسوة قلب، بل هو انعكاس لرؤية فلسفية عميقة، رؤية تشاركها مع الفلسفة الوجودية. تخيل أن الكون عبارة عن مسرح كبير، وأنت ممثل فيه، لكنك لا تعرف ما هو النص، ولا ما هو دورك. أنت موجود، ببساطة، دون أي سبب أو هدف مُسبق. هذا ما يُسميه الوجوديون "العبث". لا يوجد معنى مُتأصل في الحياة، لا هدف سماوي، ولا غاية كونية. أنت تُولد، تعيش، ثم تموت.
     ميرسو، ببروده الظاهري، يُجسّد هذا العبث. يرفض الأكاذيب الاجتماعية، لا يتظاهر بمشاعر لا يحس بها. يُفضّل أن يعيش اللحظة الحاضرة بكل ما فيها من إحساسات جسدية. يشعر بالسعادة تحت الشمس الحارقة، يستمتع بالسباحة في البحر، يُقيم علاقات جسدية بسيطة. هذه اللحظات الحسية تُشكّل بالنسبة له نوعًا من السعادة، سعادة بسيطة، مُباشرة، لا تعتمد على أي معنى أو هدف خارجي.
    تُخبرنا الوجودية أن "الوجود يسبق الماهية". بمعنى آخر، أنت تُولد أولًا، ثم تُشكّل هويتك ومعنى وجودك من خلال اختياراتك وأفعالك. ميرسو يُجسّد هذه الفكرة أيضًا. لا يُحاول أن يُلصق نفسه بقوالب مُعدّة مُسبقًا، بل يعيش حياته كما تأتي، دون أي افتراضات مُسبقة. يُشكّل معنى حياته من خلال تجاربه، حتى تلك التي تُعتبر سلبية أو مُؤلمة.
     تُؤكد الوجودية أيضًا على حرية الإنسان ومسؤوليته. أنت حر في اختيار مسار حياتك، لكنك في الوقت نفسه مسؤول عن نتائج هذه الاختيارات. يختار ميرسو أن يكون صادقًا مع نفسه، حتى عندما يُحاكم بتهمة القتل. يرفض أن يُدافع عن نفسه بأكاذيب أو تبريرات زائفة. يتقبّل مصيره بشجاعة، حتى الموت.
     تخيل ميرسو في زنزانته، ينتظر الإعدام. في هذه اللحظات الأخيرة، يُدرك حقيقة العبثية، يُدرك أن الحياة لا معنى لها، وأن الموت هو النهاية المُحتومة. لكن هذا الإدراك لا يُصيبه باليأس، بل يُحرّره. يُحرّره من الخوف من الموت، يُحرّره من الأوهام والأكاذيب. يجد نوعًا من السلام في هذا القبول، سلامًا مُرتبطًا بفكرة الوجودية عن مواجهة القلق الوجودي بشجاعة.
     في النهاية، لا تُقدّم رواية "الغريب" وصفة جاهزة للسعادة، بل تُقدّم لنا شخصية تُجسّد رؤية وجودية للعالم. تُشير الرواية إلى أن السعادة، في هذا السياق، لا تكمن في إيجاد معنى مُتأصل في الحياة، بل في عيش الحياة بصدق وحرية، وتقبّل عبثية الوجود بشجاعة. إنها دعوة للتفكير في معنى وجودنا، وكيف نختار أن نعيش حياتنا في عالم غالبًا ما يبدو بلا معنى.
              (الفلسفة الوجود 'ألبير كامو")

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres