في عالم لا يهدأ، تتسارع خطى التغيير كما لو أن الزمن قد استيقظ من سباته، وراح يعيد ترتيب أوراق الوجود بلا هوادة.ففي عمق التجربة الإنسانية تتجلى الحياة لا ككيان ساكن، بل كتيار دائم الجريان، كصيرورة لا تعرف التوقف. نحن لا نحيا في لحظة ثابتة، بل في تحول مستمر، في عبور دائم من حال إلى حال ومن فهم إلى آخر. وإن أخطر ما قد يواجهه العقل في خضم هذا التحول، هو أن يصاب بالجمود. أن يتوقف عن المراجعة ويستكين إلى ما كان وكأن ما كان هو ما يجب أن يكون.
إن التشبث بفكر جامد في وجه هذا المد المتغير، ليس سوى محاولة لاحتجاز النهر في قبضة اليد. إنه ظلم مزدوج: ظلم للواقع الذي يرفض أن يختزل في قوالب ماضوية وظلم للإنسان الذي يستحق أن يفكر ويعيش بحرية تتماشى مع لحظته لا مع ظل لحظة مضت.
الثبات في عالم متحول قد يبدو أحيانا نوعا من الطمأنينة، لكن الحقيقة أن الحياة لا تحب الجمود. الحياة بطبيعتها سؤال دائم، لا إجابة نهائية. وكل فكرة نعتنقها، مهما بدت لنا راسخة، يجب أن تعرض من حين لآخر على مرآة الواقع المتجدد، لئلا تصبح قيدا يكبل وعينا بدل أن تكون منارة له
كم من منظومة فكرية كانت ذات يوم خلاصا، لكنها اليوم باتت عبئا لأنها لم تراجع؟
وكم من أحكام أُطلقت باسم القيم والمقدس، ثبت لاحقا أنها كانت مواليد بيئتها، وليست قوانين أبدية؟
إن ما كان حقيقة في سياق ما، قد يكون خطأ في سياق آخر. وما كان فضيلة في زمن مضى، قد يبدو لنا اليوم قسوة أو تخلفا
المرونة الفكرية ليست ضعفا، بل شجاعة. إنها القدرة على الاعتراف بأننا قد نكون مخطئين، وعلى الإصغاء لما يقوله الواقع لا فقط ما نريد نحن أن نسمعه. إنها إنسانيتنا في أرقى صورها: أن نحترم الاختلاف، أن نعلي من قيمة الرحمة، وأن ندرك أن الحقيقة ليست ملكية خاصة، بل أفق مفتوح يسعنا جميعا
فلنكن إذن إنسانيين، لا بمعنى الشفقة الساذجة، بل بمعنى الانفتاح العميق. أن نعامل أفكارنا كما نعامل البشر: بالحب، ولكن أيضا بالنقد. أن نطورها، ننضجها، ونخلي سبيلها حين يحين وقت الرحيل
في فلسفة الصيروره نجد دعوة صامتة إلى التحرر من سلطة المطلقات الجاهزة، وإلى إعادة اكتشاف ذواتنا في ضوء الحاضر لا في ظل الماضي. فكل جيل يحمل تجربته، وكل لحظة تولد وعيا جديدا، لا يمكن إغفاله أو تسطيحه تحت مسمى الأصالة.
الأصالة لا تكون في التكرار بل في الإبداع، في القدرة على أن نستلهم ما مضى دون أن نستسلم له
الحياة ليست كتابا مقدسا مغلقا، بل مخطوطة حية تكتب كل يوم. فلنكن كتابها الواعين، لا قراءها المأسورين
والخلاصه إن فرض الفكر الجامد على عالم يتغير، لا يعد فقط عجزا عن فهم الواقع، بل ظلما صامتا يمارس على العقل والإنسان في آن واحد. فالسياقات الثقافية والاجتماعية التي شكلت أفكار الماضي، ليست هي نفسها التي نعيشها اليوم، وما كان ملائما لأزمنة سابقة قد يغدو اليوم قيدا أو عبئا، إن لم نحسن تأويله أو تجاوزه.
(ابتهال عبدالوهاب)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire