dimanche 4 décembre 2022

ميلاد جيل جديد

 

     عندما نحتفل بمرور مائة عام على ميلاد أبي القاسم الشابي، فإن هذا لا يعني شيئا آخر غير الاحتفال بميلاد جيل ما أصبحنا نسميه بـ”جيل إرادة الحياة”. ذلك الجيل الذي ولد أبناؤه في بدايات القرن العشرين. وابتداء من العشرينات من القرن المذكور، سوف يخوضون معارك سياسية وفكرية وثقافية كانوا يطمحون من ورائها للنهوض بالمجتمع، ولايقاظ الوعي الوطني، ولتحسيس الشعب بمصيره المظلم. وعندما كان أبناء “جيل إرادة الحياة” أطفالا، كانت النخبة التونسية قد أعادت الحياة للأفكار الإصلاحية والتحديثية التي جاء بها خير الدين باشا التونسي. وبفضل الرموز الكبيرة لهذه النخبة من أمثال علي باش حامبه وعبد العزيز الثعالبي والبشير صفر، والشاذلي خيرالله استعادت الحياة السياسية والثقافية حيويتها، وكثرت النوادي حيث كانت تلقى المحاضرات، وتعقد الندوات، وعرفت الصحافة اليومية والأسـبوعية تطورا هاما أتاح لعامة الناس التعرف على أحوال مجتمعهم، وعلى أحوال العالم بصفة عامة. وخلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين شهدت تونس أحداثا سياسية وثقافية واجتماعية أتاحت للنخبة التونسية التمرّس بالواقع، والاطلاع على أحوال البلاد، ومشاغل مختلف الفئات. ففي خريف عام 1903 جاء الشيخ محمد عبده إلى تونس.
   وفي زيارته الثانية هذه (الأولى كانت عام 1888) التقى بالشيوخ المعاضدين لحركة ألإصلاح من أمثال سالم بوحاجب ومحمد النخلي. وفي “الجمعية الخلدونية” التي كان قد أنشأها البشير صفر عام 1896، ألقى الشيخ محمد عبده محاضرات كان لها الصدى الكبير لدى النخبة التونسية المتطلعة للاصلاح والتحديث. وفي عام 1905 بعثت “جمعية قدماء الصادقية” التي اهتمت بتقديم محاضرات باللغة العربية بهدف تثقيف عامة الناس في مجالات مختلفة ومتنوعة. وفي عام 1911، اندلعت “انتفاضة الجلاز” التي أعطت دفعا جديدا للحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، والتي كانت آنذاك في طور التشكل. وفي عام 1919، تأسس الحزب الدستوري بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي صاحب كتاب “تونس الشهيدة”.
   وفي عام 1924 أنشأ محمد علي الحامي “جامعة عموم العملة التونسيين”. وفي مطلع الثلاثينات، أصدر الطاهر الحداد كتابه الشهير “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”، والذي أثار ضجة هائلة في الأوساط الثقافية والسياسية والدينية.
   وسواء عاش هذه الأحداث، أم لم يعشها، فإن المؤكد هو أن الشابي تأثر بها، وتفاعل معها تفاعلا كبيرا، ومبكرا انحاز إلى الأفكار الاصلاحية والتحديثية، وقاوم بشدة الركود والتزمت والقنوط. ورغم مرض القلب الذي كان يعذّبه، ويعيق حركته ونشاطه، فإنه كان دائم التفكير والعمل.           (منقول)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres