بعد أن تحصلنا
على شهادة ترشيح المعلمين دخلنا هذه المهنة وكان التعليم الابتدائي آنذاك لا يدخله
إلا من تخرج من مدارس ترشيح المعلمين فالطالب يتلقى طيلة أربع سنوات تكوينا علميا
وثقافيا وبيداغوجيا وليس له من مجال في النهاية إلا التدريس فيتهيأ بذلك إلى
الأطفال حيث كنا نزور المدارس الابتدائية ونحن في المدرسة فنطلع على طرق التدريس
ونحللها ونناقشها مع أساتذتنا. وشهادة الترشيح يتحصل عليها الطالب إثر مناظرة
وطنية إلا إذا تحصل على 10/20 وبدون أي إسعاف، بعد أن كان مر بمناظرة وطنية وهو في
السنة الثاثة ثانوي والمشاركة وفي هذه المناظرة يشترط أن يكون لك معدل سنوي 11/20
حتى تدخل مدارس الترشيح.
عند نجاحنا قمنا
بسنة تربص باشرنا فيها التعليم تحت توجيهات المساعد البيداغوجي الذي يتمتع بالخبرة
الكافية لمساعدتنا في هذا المجال. كنا نتدرب على تقديم الدروس ونتعلم عند أساتذة
علم النفس والبيداغوجيا. في نهاي السنة نخضع للاختبار نهاية التربص شفويا وكتابيا.
فبدأنا مسيرتنا
المهنية في الأرياف والمناطق النائية ورغم الظروف الصعبة فالتعليم كان من الروعة
والإبداع ما يجعلك تسعد في حياتك المهنية.. وبدأنا نستعد لمعركة الترسيم حيث لا
يمكنك أن تترسم إلا بحضور لجنة لحصة تقوم بها أمام أعضائها ويقع تقييمك عندها
بالترسيم أو بعدمه.. فانتهت الأمور على أحسن ما يرام.
ودخلنا في روتين
العمل لكن كنا تحت رقابة وتقييم المتفقدين.. كان المتفقد يقوم بدور في تحفيز
المعلم نحو الأفضل تراه عند زيارته يجلس في كرسي مع الأطفال ويتحسس مدى تعاملك
معهم فيسند لك العدد الذي تستحقه في نهاية الحصة وهذا العدد له تأثير في حياتك
المهنية.
واصلنا ارتقاءاتنا
إلى حد رتبة معلم تطبيق أول وهذه الرتبة تعني أنك قادر على تقديم دروس أمام
المتربصين والمنتدبين الجدد في التعليم..
كانت المدرسة
عبارة على أسرة تتعاون من أجل تحقيق أفضل النتائج كان التقييم الحقيقي للمدرسة
والزملاء هو نتائج مناظرة السنة السادسة أو ما يسمى بـ''السيزيام'' فتصنف المدارس
ومعلموها على هذا الأساس.. وربما فرضنا أنفسنا آنذاك على المديرين والمتفقدين لأن
نتائجنا كانت ممتازة.. تنافسنا هذا حقق أفضل النتائج على التلاميذ وعلى مستوى
التعليم ببلادنا.. فأذكر هنا سنة 1993 يوم كنت أدرس بالمملكة العربية السعودية:
سألني مرة مدير مدرسة كيف مستوى التعليم عندكم ممتاز؟ فأجبته ببساطة لنا مناظرة
وطنية إجبارية شفافة ونزيهة تخضع لها كل المدارس أما أنتم فمدارسكم لا تتوج بمثل
هذه المناظرات..
مرت الأيام هكذا
إلى أن جاء الإصلاح التربوي المشؤوم في عهد بنعلي الذي بكل حماقة جاء لأحسن ما
عندنا في تونس وأمر بإصلاحه فحذفت المناظرات الوطنية وجعل البعض منها شكليا ودعا
إلى ما يسمى ببيداغوجيا النجاح وإلى تحقيق النتائج الوهمية بأعداد مغلوطة التي
يسندها المربون تحت ضغوطات المتفقدين والإدارة التي تريد أن ترفع أحسن النتائج
الرقمية الفارغة من المحتوى للرئيس.. فاحتدم صراع النفاق وتدهورت النتائج الفعلية..
وأصبحت شهائدنا لا قيمة لها بعد أن كان يضرب بها المثل.. فتشوهت سمعة المعلم.. وهذا
غذاه الدور المغلوط الذي أصبح يلعبه متفقد التعليم الابتدائي الذي لم يعد يستشف
روح التعليم وتعامل المربي مع أطفاله بل أصبح يعمر جدولا يبحث فيه عن الأمور
الشكلية كالكراسات والمذكرات والتخطيطات الأمر الذي جعل من المعلم يعمل ليرضي
المتفقد عوض السعي إلى تحقيق النتائج الحقيقية خاصة وأن هذا الدور الجديد للمتفقد
عاضده مساعده البيداغوجي الذي عوض مساعدة المتربصين أصبح عنصرا ثقيلا يسلط على
المعلمين المترسمين ومعلمي التطبيق اللذين هم ليسوا في حاجة إليه ليقزمهم ويدجنهم ويقمع حرياتهم وإبداعاتهم
بتوصيات حفظها ومجها كل من وصل إلى مثل هذه الرتب..
وما زاد في تدهور
حالة المدرسة الابتدائية هو انتداب حاملي الشهائد العليا وذلك لحل مشكل البطالة
الذي أصبح يؤرق الدولة التي أصبحت تجني مشاكل تفاقم بطالة حاملي الشهائد العليا كل
هذا على حساب الأطفال إذ أن هذه الفئة ليست مؤهلة للتدريس بالمدارس الابتدائية
وهذا ليس انتقاصا منهم بل أضرب مثلا واحدا كأن تقول لطبيب جراح في القلب أن يدرس
للأطفال حصة في الدورة الدموية فإنه لا يستطيع أن يبلغ لهم المعلومات.. لأن ما لا
يعرفه الكثيرون أن المعلم متكون في صناعة التبليغ للأطفال وفي التقنيات التنشيطية
التي تتماشى وعلم نفس الطفل وظوابط البيداغوجيا العامة والبيداغوجيا الخاصة لكل
مادة وهذه لن يعرفها إلا من درس في مدارس الترشيح الخاصة بالمعلمين.. باختصار وعكس
ما روج له أيام الإفساد التربوي: المعلم دوره الأساسي هو تبليغ المعلومة للطفل
وكتاب الطفل هو المادة الوحيد التي يجب أن تقدم له.. المغالطات التي أصبح يروج لها
أن يقدم المعلم التمارين من عنده.. بذلك وقع تهميش الكتاب المدريس وأصبح المعلم
مرضاة للمتفقد يقفر على البرامج ولا ينجز إلا البعض منها فيقطع تسلسل الدروس..
فحتى المذكرات والتخطيطات التي تهم المعلم لعمله ينجزها متى رأى أنها تساعده أصبحت
بضاعة للسيد المتفقد ومن ورائه المساعد البيداغوجي.. وغاب دور المدير الذي عوض أن
يكون هو المراقب لعمل زملائه وجد نفسه بدون صلاحيات بل أكثر من هذا أصبح عرضة
للتقزيم أكثر من زملائه وكذلك أصبح لعبة بين هؤلاء المتدخلين أضف لهم سياسة ترضية
الولي الذي أصبح المتدخل الأساسي في ميدان لا يفقه فيه شيئا.. أسفي عليك يا تعليم
كنا نتصور إثر ثورتنا المباركة أن ينطق ثوري واحد ويقول جملة وطنية بسيط في حق
تعليمنا الذي كنا نفخر به حتى أمام الدول المتقدمة: أعيدوا التعليم كما كان.. أعيدوا
التعليم كما كان.. وخاصة خاصة المناظرات المناظرات..
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire