يقول ديكارت: إذن فأنا أشك في الحواس لأنها خدعتني أحيانًا، ولعلها تخدعني دائمًا، وليس من الحكمة الاطمئنان إلى من خدعنا ولو مرة واحدة، وأنا أشك في استدلال العقل؛ لأن الناس يخطئون في استدلالتهم، ومنهم من يخطئ في أبسط موضوعات الهندسة، فلعلي أخطئ دائمًا في الاستدلال، ومن دواعي الشك أيضًا أن نفس الأفكار تخطر لي في النوم واليقظة على السواء، وليست أجد علامة محققة للتمييز بين الحالتين، فلعل حياتي حلم متصل، أي لعل اليقظة حلم منسق، وممَّا يزيد في ميلي إلى الشك أني أجد في نفسي فكرة إله قدير يقال أنه كلي الجودة وهو مع ذلك يسمح أن أخطئ أحيانًا، فإذا كان سماحه هذا لا يتعارض مع جودته، فقد لا يتعارض معها أن أخطئ دائمًا، ولكن ما لي ولله، فقد يكون هناك روح خبيث قدير يبذل قدرته ومهارته في خداعي، فأخطئ في كل شيء حتى في أبسط الأمور وأبينها، مثل أن أضلاع المربع أربعة، وأن اثنين وثلاثة تساوي خمسة. ولكني في هذه الحالة من الشك المطلق أجد شيئًا يقاوم الشك، ذلك أني أشك، فأنا أستطيع الشك في كل شيء ما خلا شكي، ولما كان الشك تفكيرًا فأنا أفكر، ولما كان التفكير وجودًا فأنا موجود: «أنا أفكر وإذن فأنا موجود»، تلك حقيقة مؤكدة واضحة متميزة خرجت لي من ذات الفكر، لها ميزة نادرة هي أني أدرك فيها الوجود والفكر متحدين اتحادًا لا ينفصم، ومهما يفعل الروح الخبيث فلن يستطيع أن يخدعني فيها، لأنه لا يستطيع أن يخدعني إلا أن يدعني أفكر، وإذن فأنا أتخذ هذه الحقيقة مبدأ أول للفلسفة، الفكر مبدأ لأنه وجود معلوم قبل كل وجود، وعمله أوضح من علم كل وجود، هو معلوم بداهة، ومهما نعلم فنحن بفكرنا أعلم، فمثلًا لو اعتقدت أن هناك أرضًا بسب أني ألمسها وأبصرها، فيجب أن أعتقد من باب أولى أن فكري موجود، إذ قد أفكر أني ألمس الأرض دون أن يكون هناك أرضا
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire