mardi 23 juin 2026

كان أبي

 
     كثيرون فقدوا آباءهم مبكرًا، ومع ذلك ما زالوا يستشيرونهم كل يوم دون أن يشعروا. في المواقف الصعبة، يقفون أمام مرايا خيالهم، ويسألون أنفسهم: ماذا كان أبي سيفعل لو كان هنا؟ وحين يختارون الصدق بدل الكذب، والرحمة بدل القسوة، والعدل بدل الظلم، والجسارة بدل الخوف، يكون الأبُ الراحلُ قد أجاب بالفعل، بل يكون حيًّا عصيًّا على الموت، في مقابل موت آباء وهم مازالوا أحياء، لأنهم أخفقوا في رسم ضمائر أبنائهم بألوان النبالة. فالأب العظيم هو القادر على صوغ أبناء أحرار يختارون الصعاب القيّمة، مهما دفعوا من أثمان، ولا يستوحشون طريق الخير لقلّة سالكيه.
حين أتأمل العالم من حولي، فأرى بشرًا يرفعون رايات الكراهية باعتبارها فضيلة، ويتعاملون مع القسوة كأنها علامة قوة وسلطان، ويلفظون الرحمة باعتبارها ضعفًا وخوارًا، أتساءلُ: متى تعلموا ذلك؟ وكيف سمح لهم آباؤهم بكل هذا التشوّه الروحي والتصدّع الخلقي والتخبط المعرفي؟ ودون تفكير أشيرُ بإصبع الاتهام إلى الأب الذي أخفق في حمل التبعة، وأفسد الميراث الذي تركه لأبنائه.
 (مقتطف من مقالي عن "عيدالأب" فاطمة ناعوت)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres