samedi 27 juin 2026

الميراث

 

        من مآسي تقسيم الميراث بالطريقة المتعارف عليها، أن سعيد الحظ سيشكر ويترحم، وتعيسه سيلعن ويتنقم.. 
   صحيح من حق الأب أن يتصرف كما يريد في ثروته في حياته، وأن يخص أحد الورثة بميزة معينة هو يراها عادلة، كالذي طور مشروعا في عقار تابع لأبيه، أو أن يخصص مساعدة معينة لمعاق بحاجة للرعاية.. لكن ليس من حقه أن يوزع ثروته على هواه لما بعد مماته، أو ترك وصية فيها تقسيم لميراثه، أو حتى لكيفية دفنه، هذه مهزلة يجب تجنبها.. هذا الأمر يدفعني لاحتقار السلوك البشري في بعض الأحيان، في مثل هكذا تصرفات.. هذا الأب، الذي يريد التمييز الظالم بين أبنائه وورثته، ظنا منه أنه يعدل، سوف يغادر الأرض دون رجعة وسينتهي إلى الأبد.. ولن يكون من مشمولاته تسيير حياة الغير والمستقبل، الذي لم يعد له فيه مكان، حتى وإن كانوا أقرب الناس إليه، ببساطة سيصبح في عداد المفقودين أو بالأصح لم ولن يكون موجودا أصلا.. وكم هذا جميل، أعني جمال الموت، لأنه سيضع حدا لغرور البشر وجشعهم..
   الذين يريدون التحكم في حياة الورثة حتى بعد نهايتهم، هم مجانين، من المفروض أن تضع القوانين حدا لغرورهم.. ويفسح المجال للورثة الأحياء كي يتفقوا كما يشاؤون بالتراضي أو بالقانون.. 

    الإنسان عليه أن يعيش فرصته فقط ويرحل.. وحتى لا يكون غير مأسوف عليه يجب ألا يتدخل في هذه اللعبة القذرة..    

                                              (نجيب)

mardi 23 juin 2026

كان أبي

 
     كثيرون فقدوا آباءهم مبكرًا، ومع ذلك ما زالوا يستشيرونهم كل يوم دون أن يشعروا. في المواقف الصعبة، يقفون أمام مرايا خيالهم، ويسألون أنفسهم: ماذا كان أبي سيفعل لو كان هنا؟ وحين يختارون الصدق بدل الكذب، والرحمة بدل القسوة، والعدل بدل الظلم، والجسارة بدل الخوف، يكون الأبُ الراحلُ قد أجاب بالفعل، بل يكون حيًّا عصيًّا على الموت، في مقابل موت آباء وهم مازالوا أحياء، لأنهم أخفقوا في رسم ضمائر أبنائهم بألوان النبالة. فالأب العظيم هو القادر على صوغ أبناء أحرار يختارون الصعاب القيّمة، مهما دفعوا من أثمان، ولا يستوحشون طريق الخير لقلّة سالكيه.
حين أتأمل العالم من حولي، فأرى بشرًا يرفعون رايات الكراهية باعتبارها فضيلة، ويتعاملون مع القسوة كأنها علامة قوة وسلطان، ويلفظون الرحمة باعتبارها ضعفًا وخوارًا، أتساءلُ: متى تعلموا ذلك؟ وكيف سمح لهم آباؤهم بكل هذا التشوّه الروحي والتصدّع الخلقي والتخبط المعرفي؟ ودون تفكير أشيرُ بإصبع الاتهام إلى الأب الذي أخفق في حمل التبعة، وأفسد الميراث الذي تركه لأبنائه.
 (مقتطف من مقالي عن "عيدالأب" فاطمة ناعوت)

dimanche 21 juin 2026

عيد الأب

 

      لهذا دائمًا ما أتذكّر أبي، وأعتبره أحد نبلاء هذا العالم، لأنه علّمني الدرس الأعظم الذي شكّل وجداني ورسم خارطة حياتي كلها: "ألا أكره".
    لم يورثني أبي أرضًا ولا عقارًا ولا ثرواتٍ. ورثتُ عنه "فكرة". لم يعلمنيها وعظًا وإرشادًا وأوامرَ وتلقينًا، بل سلوكًا وفعلا وأسلوب حياة. علمني: "احترام الإنسان"، في المطلق، دون قيد أو شرط أو نفعية. علَّمني: "الانحيازَ إلى العدل" دون حسابات قبلية أو عقَدية، ودون خوف من بطش المتعصبين. علّمني: "الانتصار للحق"، مهما خَفُتَ صوتُه وضعفت شوكته. علّمني: "البحث عن الجمال" مهما عزَّ وشحّ. علّمني: "الشك في الأحكام الجاهزة" مهما تجبّر الدوغمائيون. 
علّمني أن محبة خلق الله جميعًا شرطٌ من شروط حب خالق الخلق، وأن من امتلأ قلبُه بحب الله، ما تبقى فيه مساحة لبغضاء. علّمني أن الرحمة ليست ضعفًا، بل منتهى القوة، وأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل منتهى الثراء البشري.
"مقتطفات من مقال الغد الاثنين بجريدة المصري اليوم" عيد الأب.   (فاطمة ناعوت)

vendredi 19 juin 2026

النرجسية الخبيثة

 

   النرجسية الخبيثة وتدمير الذات عند إيريك فروم..
   يُمثّل انتقال الاهتمام بالذات من مساحته الصحية المبررة إلى مساحة التدمير الإقصائي واحدة من أعقد الإشكاليات التي عالجها التحليل النفسي. يقوم إيريك فروم بتشريح مفاهيمي عميق لظاهرة النرجسية، متجاوزاً التعريف الفرويدي الكلاسيكي الذي ربطها حصراً بمراحل النمو الطفولي أو الرغبات اللبيدية الموجهة نحو الذات. ينقل فروم المفهوم إلى مستوى سوسيولوجي وأخلاقي بالغ الخطورة، مؤسساً لما أسماه "النرجسية الخبيثة" (Malignant Narcissism)، كعنصر محوري في تفسير التدمير غير العقلاني.
تتأسس أطروحة فروم على التمييز الحاسم بين النرجسية الحميدة والنرجسية الخبيثة. في النرجسية الحميدة، يرتبط اعتزاز الفرد أو الجماعة بجهد موضوعي أو إنجاز فعلي (مثل الاعتزاز بعمل فني أو ابتكار علمي)، مما يبقي الفرد مرتبطاً بالواقع وبضرورة الاستمرار في العمل. أما في "النرجسية الخبيثة"، فإن موضوع التمجيد ليس إنجازاً أو فعلاً، بل هو "الكينونة الخالصة" والصفات الموروثة غير المكتسبة، كأن يعتز الفرد بجسده، أو دمه، أو عرقه، أو دينه، لمجرد أنه يمتلكها دون أي جهد.
يُجادل فروم بأن خطورة النرجسية الخبيثة تكمن في انفصالها التام عن العقلانية والواقع الموضوعي. بالنسبة للشخص أو الجماعة المصابة بهذه النرجسية، يصبح كل ما يخصهم هو "الخير المطلق" وكل ما يقع خارجهم هو "الشر المطلق". ونظراً لأن هذا التمجيد غير مبني على إنجاز حقيقي، فإنه يعاني من هشاشة داخلية مرعبة؛ مما يجعل أي نقد خارجي، مهما كان عادلاً أو منطقياً، يُفسر على الفور كـ "تهديد مميت" يمس الذات. هذا التهديد المتوهم يستوجب، في نظر النرجسي، رداً انتقامياً ساحقاً لحماية صورته المتضخمة.
يخلص فروم إلى أن النرجسية الخبيثة تمثل حالة قصوى من الاغتراب وتطابقاً مع "النيكمروفيليا" (عشق الموت والدمار). الفرد في هذه الحالة يفقد القدرة على الحب (الذي يتطلب الاعتراف بالآخر ككيان مستقل)، ويتحول إلى كائن مغلق على ذاته، لا يسعى للنمو، بل يكرس طاقته لتدمير كل ما لا يتطابق مع صورته الوهمية، مما يقوده في النهاية إلى تدمير ذاته والعالم من حوله.

                                                 (منقول)

lundi 15 juin 2026

هزيمة نسور قرطاج

 

     بعد الهزيمة الثقيلة لمنتخبنا الوطني في كرة القدم أمام الفريق السويدي في مباريات كأس العالم 2026 أقول:

  حين يحرم ابن الفقير من لعب كرة القدم في الأكاديميات والجمعيات لأنه لا يملك المال، ويلعب ابن الميسور لأنه صاحب مال، تموت المواهب.
  حين تتأسس دولة وطنية حقيقية، تحترم نفسها وتهتم ببناء أجيالها، عندها تستطيع أن تصنع العلماء والقادة والأبطال لا الانتهازيين والاقطاعيين..
  المؤسسات التربوية وُجدت للتعلم والتدرب لا للأعمال التجارية.. لذلك من الواجب تحييدها عن رجال الأعمال والمتاجرة بمصالح الأجيال القادمة، والنأي بهم عن مجالات الفساد الذي أنهك البلاد والمواطن..
   من مدارسنا الابتدائية والثانوية والإعدادية ودور الشباب والثقافة وغيرها من الجمعيات.. تستطيع أن تنتج أحسن اللاعبين الرياضيين والمبدعين في جميع المجالات، لو أحكمنا التنظيم وأحسنا اختيار المسؤولين ومراقبتهم مراقبة صارمة.. لكن مع الأسف كما يقال: "العين بصيرة واليد قصيرة".
    توزيع منح الدولة بالتساوي على الفرق مع رصد حوافز للمتميزين فقط هو السياسة الحكيمة التي من شأنها أن تنهض بمستوى الرياضة وكل القطاعات في كامل أنحاء البلاد..
      ستنهض البلاد في جميع المجالات، حتى ببنيتها التحتية المتواضعة وفضاءاتها الشعبية التي كنا نسميها "بطحاء"، عندما يعود الاستبداد الوطني النير والتخلي كليا عن ديمقراطية الفوضى التي لا تصلح لمجتمع مازال يرزح تحت عبء رواسب الفقر والتهميش والجهل والتخلف والتغييب والتخدير الديني..
                                                 (نجيب)

samedi 13 juin 2026

الله الطبيعة

 

         هما أمران لفكرة واحدة:
     "الله فكرة توارثناها من معتقداتنا البدائية"، و"الطبيعة أوالكون اللانهائي في الكبر والصغر كحقيقة رهيبة مرعبة تتجلى أمام أعيننا ولا يمكن استيعابها".
      سأبقى أشكر وأحمد "الله الطبيعة" ما حييت لأنها اختارتني ومكنتني من فرصة محدودة للعيش في هذه الأرض الجميلة، ووسط هذا الكون الرهيب، حتى وإن رمتني صدفة في مكان ومحيط ومجتمع ومع علاقات ومعتقدات وثقافات وموروثات لم تكن من اختياري، ولم تكن هي الأفضل، أو التي أريد.. 
    حياة، سأعيشها، كسائر الكائنات، بحلوها ومرها، بعسرها ويسرها، بمعاناتها ورخائها، مصارعا تارة ومهادنا  أخرى، ناجحا تارة مخفقا أخرى، باحثا عن الحكمة والسعادة، مجتهدا، مبدعا، مناضلا، من أجل البقاء، محاربا لكل ما ومن يهدد حياتي، متحالفا مع كل من يساعدني في أن أكون في وضع أفضل.. وهكذا إلى آخر العمر..
   وفي النهاية، سأغادر، وأنا راض بمصيري المحتوم، لأنه مصير كل الكائنات، مصير الفناء والانقراض، مصير المجهول الذي لا يعلمه أحد مهما تعبقر واخترع من التخيلات أنواعا وأصنافا.. حلم الخلود الذي يتمناه كل مرء، ما هو إلا حبوب طمأنة لا أكثر ولا أقل، نتيجة حبنا وتعلقنا الجنوني بالحياة.. ستعيش الإنسانية بأكثر محبة وتآزر وأخلاق عالية، لو تعي حتمية مأساة الوجود الكارثية التي تنتظرنا جميعا وبدون استثناء.. 
   ما أروع الإنسان حين سيطر على الطبيعة، واكتشف أسرارها، وابتدع نظما وأساليب للعيش بسلام وأمان.. بدأها بالوسائل البدائية والخرافة في عصر الظلمات والتخلف، تم تطور، إلى أن وصل إلى عصر الأنوار والتقدم والفكر والعلوم والعلمانية والفلسفة، وها هو الآن في عصر الذكاء الصناعي، الذي مكنه من قفزة غير مسبوقة، في السيطرة على الطبيعة وقوانينها.. 
   كم أنت عظيم أيها الإنسان.. رغم ما فيك من رواسب التخلف، التي تمكنت منك وانغرست في جيناتك، عبر تاريخ ضارب في القدم من المعانات والصراعات، حول حب البقاء والخلود والسيطرة.. 
                                                     (نجيب)

mercredi 10 juin 2026

النسيان

 

     الغياب لا يبدأ عندما يرحل الإنسان، بل عندما تتوقف الذاكرة عن استدعائه... عندها فقط يصبح الماضي أرضاَ لا يمكن الوصول إليها.
حين نطرد الذكريات من أرواحنا
يظن الناس أن أصعب قرار يمكن أن يتخذه الإنسان هو إخراج شخص من حياته، لكن الحقيقة أكثر تعقيدا من ذلك، فالأشخاص الذين يغادرون يبقون واقفين على أبواب الذاكرة، يحملون دائما احتمال العودة، حتى وإن طال الغياب. 
قد نغلق الأبواب، وقد نعلن النهاية، وقد نمارس كل أشكال النسيان، لكن ما دامت الذكريات حية في داخلنا فإن طريق الرجوع يظل موجودا.
إن الإنسان لا يعود إلى إنسان آخر بسبب الحاضر، بل يعود بسبب الماضي،  يعود إلى الضحكة التي لا تزال عالقة في ذاكرته، وإلى لحظة دفء لم يمت أثرها، وإلى تفاصيل صغيرة رفض الزمن أن يمحوها. لذلك فإن الذكريات ليست مجرد صور محفوظة في العقل، بل هي الجسور التي تربطنا بكل من عبروا حياتنا.
وحين نقرر إخراج شخص من حياتنا، فإننا في الحقيقة لا نكون قد أنهينا القصة بعد. النهاية الحقيقية لا تبدأ إلا عندما نخرج ذكراه من داخلنا. 
عندها فقط يصبح الغياب كاملا، ويصبح الرجوع مستحيلاً. فالشخص قد يعود إذا بقيت له غرفة في الذاكرة، أما إذا هُدمت تلك الغرفة فلن يجد مكانا يعود إليه.
الذكريات هي الوطن الأخير للعلاقات... عندما نفقد الأشخاص نبكي، لكن عندما نفقد ذكرياتهم نصبح غرباء عنهم تماما، ولذلك فإن محو الذكرى ليس فعل نسيان عابر، بل عملية تحرر مؤلمة تشبه اقتلاع الجذور من الأرض. 
إنها لحظة يقرر فيها القلب أن يتوقف عن استحضار ما كان، وأن يمنح نفسه فرصة العيش دون انتظار.
ربما لهذا السبب يخاف الإنسان من نسيان من أحب أكثر مما يخاف من فقدانه. لأن الفقد يترك بابا مواربا للأمل، أما النسيان فيغلق الأبواب كلها. 
فالأشخاص يمكن أن يعودوا، لكن الذكريات إذا رحلت حقا لا تعود كما كانت أبدا.
وفي النهاية، ليس الانتصار أن نخرج الأشخاص من حياتنا، بل أن نصل إلى مرحلة لا تعود فيها ذكراهم قادرة على استدعائنا إلى الوراء. فحين تموت الذكريات، تموت معها الطرق المؤدية إلى العودة، ويولد داخلنا إنسان جديد لا يسكن الماضي، بل يمضي نحو المستقبل بخفة.
  بعض الأبواب لا تُغلق بالمفاتيح، بل بالنسيان.
                   (🖋خالدة غوشه)

lundi 8 juin 2026

ريح وذرف

 

   الفصل العاشر
يأخذنا هذا الفصل إلى آخر السوق البلدي بوذرف، حيث كانت تنتهي صفوف الدكاكين وتبدأ حكايات الرجال الذين صنعوا بجهدهم اليومي جزءًا من ذاكرة البلدة. هناك لم تكن المحلات مجرد أماكن للبيع والشراء، بل فضاءات للتعارف والتواصل وتبادل الأخبار، حتى أصبح لكل دكان قصته ولكل صاحب حرفة مكانته في وجدان الناس.
في ذلك الركن من السوق كان عم علي الكستوري، المعروف بلقب شهر "الملوح"، يقف أمام محل الجزارة الذي عرفه به أهل وذرف. كان صوته الجهوري يسبق حضوره، فينادي على حرفائه بطريقته الخاصة التي ألفها الجميع. ولم يكن مجرد جزار يبيع اللحم، بل كان صاحب نكتة وحكاية، يمازح هذا ويستقبل ذاك، فيجعل من زيارة محله مناسبة للحديث والابتسام بقدر ما هي مناسبة للتبضع. وكان كثير من المارة يتوقفون عنده ولو للحظات، يتبادلون معه التحية أو يشاركونه تعليقًا عابرًا على أحوال السوق والبلاد.
وبالقرب منه كان عم عبد الله بالتهامي تومي يباشر عمله في بيع الخضر والغلال. ورغم أنه كان كفيف البصر، فقد كان مثالًا نادرًا للإرادة والاعتماد على النفس. كان يعرف مكان كل سلعة من سلعته، ويميز زبائنه من أصواتهم، ويتعامل مع البيع والشراء بثقة ودقة أثارت إعجاب الجميع. لم يكن ينتظر عطفًا من أحد، بل فرض احترامه بعمله الجاد وشخصيته القوية. وكان من يجهله يظن أن بإمكانه التحيل عليه، لكن سرعان ما يكتشف أن الرجل يتمتع بذكاء ويقظة لا تقلان عن قوة قبضته التي اشتهر بها. وقد بقيت قصص كثيرة تتردد على ألسنة أهل السوق عن محاولات بعض المغالطين خداعه، لتنتهي جميعها بخيبة أصحابها واحترامهم للرجل الذي عرف كيف يحفظ كرامته ومكانته بين الناس.
أما عم التجاني مجدوب، الملقب بـ"ولد اليطني"، فكان دكانه الصغير يتوسط المسافة بين محل "شهر الملوح" ودكان عم عبد الله. وهناك مارس الحلاقة والحجامة معًا، مستعينًا بخبرة طويلة اكتسبها عبر السنوات. ولم يكن محله مكانًا للخدمة فقط، بل مجلسًا يوميًا يتردد عليه الرجال لتبادل الأخبار وسماع الطرائف والنوادر. فكثيرًا ما كانت الضحكات تتعالى من داخله، فيلتفت المارة لمعرفة سببها، فيجدون عم التجاني يروي حكاية أو يطلق دعابة جديدة تزيل عن الجالسين شيئًا من عناء يومهم.
وعلى مقربة من ذلك الركن كان دكان عم رمضان الزريبي، الرجل الذي ارتبط اسمه بالخبز ورائحته الزكية. فقد كانت كوشة الزريبة التي تشتغل في حاف الزريبة جزءًا من سيرته التي عرفها أهل الجهة، بينما كان دكانه بالسوق البلدي مقصدًا للراغبين في شراء الخبز الطازج. غير أن قيمة المكان لم تكن في الخبز وحده، بل في الجلسات التي كانت تنعقد داخله وحوله. فهناك كان الأحباب والأصدقاء يلتقون بعد عناء العمل، يحتسون الشاي الأحمر ويتبادلون أطراف الحديث في شؤون الزراعة والمواسم وأخبار الناس. وكانت رائحة الخبز الساخن تختلط ببخار الشاي، فتمنح المكان دفئًا خاصًا لا ينساه من عاش تلك الأيام.
ولم يكن بعيدًا عن هذه المحلات مقهى عم امحمد قراسي، المعروف لدى الجميع باسم "بن قيز". وكان المقهى بمثابة القلب النابض لذلك الجزء من السوق. يجلس فيه الفلاحون القادمون من الأرياف المجاورة، والتجار الذين أنهوا صفقاتهم، والمسافرون الذين استراحوا من عناء الطريق. هناك كانت تتلاقى الأخبار القادمة من مختلف الجهات، وتدور النقاشات حول أحوال المواسم الزراعية وأسعار المنتجات وأحداث البلاد. وكانت فناجين القهوة وأكواب الشاي ترافق أحاديث تمتد أحيانًا لساعات طويلة.
ومع تقدم النهار كانت حركة السوق تزداد نشاطًا. تتعالى الأصوات وتتقاطع النداءات، ويتحرك الناس بين الدكاكين في مشهد يعكس حيوية البلدة وتماسك مجتمعها. كان الجميع يعرف الجميع تقريبًا، ولذلك لم تكن العلاقات محكومة بالمصلحة وحدها، بل كانت تقوم على المعرفة والثقة والاحترام المتبادل. وكان السوق في كثير من الأحيان مكانًا لحل الخلافات الصغيرة وتقريب وجهات النظر، تمامًا كما كان مكانًا لعقد الصفقات وشراء الحاجيات.
ثم ينتقل بنا المشهد إلى "سانية السبعي"، ذلك الفضاء الواسع الذي كان يحتضن سوق السبت الأسبوعي. فمنذ الساعات الأولى للصباح تبدأ الوفود بالتوافد من القرى والمناطق المجاورة، محملة بمختلف السلع والمنتجات. وتتحول السانية إلى عالم واسع يعج بالحركة والألوان والأصوات. هنا بائع خضر، وهناك تاجر مواشٍ، وفي ناحية أخرى تُعرض الملابس والأواني والأدوات المختلفة، بينما يتنقل المتسوقون بين الأروقة بحثًا عما يحتاجونه.
وكان سوق السبت أكثر من مجرد موعد تجاري أسبوعي؛ فقد كان مناسبة اجتماعية ينتظرها الجميع. يلتقي فيه الأقارب والأصدقاء بعد أيام من الانشغال، ويتبادل الناس الأخبار والتهاني، وتُنسج فيه علاقات جديدة وتُجدد أخرى قديمة. لذلك ظل السوق جزءًا أصيلًا من حياة وذرف وذاكرتها الجماعية.
وهكذا لم يكن سوق وذرف، بسوقه البلدي وسوق السبت بسانية السبعي، مجرد فضاء للبيع والشراء، بل كان مدرسة للحياة ومرآة صادقة للمجتمع المحلي. فيه تجلت قيم العمل والتضامن والاعتماد على النفس، ومن خلاله تعرّف الناس إلى بعضهم بعضًا وتقاسَموا أفراحهم وهمومهم. ولذلك بقيت صور رجاله ونسائه، وأصوات باعته، وروائح الخبز والشاي، ودفء اللقاءات اليومية، حاضرة في الذاكرة، شاهدة على زمن جميل ما زال يسكن وجدان أبناء وذرف جيلاً بعد جيل.

                                             (منجي كرستة)

   **********

  ملحق إضافي من تأليفي أنا "نجيب قراسي"

أشكر كل ما تفضل به السيد "منجي كرستة" كان وصفه رائعا وحقيقيا وواقعا عشناه بكل حب، لكن لا بد لنا أن نعتذر لعديد الشخصيات التي لم تذكر في مقاله هذا، وكان حضورهم أيضا مميزا ورائعا، ولمزيد الإفادة أضيف ما يلي:

    مدينة "وذرف"، كانت كما عاشها جيلي أي جيل الخمسينات والستينات، عبارة على قرية صغيرة كنا نطلق عليها "دورة الطبال" التي تقام في مناسبات الأفراح والأعياد، تعبيرا على صغرها.. بداياتها ترويها جغرافيتها، فـ "جامع الصلبان" كما ينعته البعض؛ الذي يتصدر السوق قديما؛ كان كنيسة على ما يبدو منذ عهد الرومان.. وشارعها الرئيسي يمتد عبر حي "لواتة" حيث عين "سيدي طاهر" و"زاوية سيدي طاهر" ليقطع "وادي المالح" حيث "ظهرة الشڨاف" و"الرويجل" ومنه إلى ما يسمى بـ "ذراع وذرف" ليمتد إلى "العمارات" والطريق الرئيسة رقم1 للبلاد التونسية.. أما السوق حيث تمركزت بجانبه أول مقهى ألا وهي مقهى "صالح بنڨيز ڨراسي" الذي هو جدي والذي جاءهم لأول مرة بمكنة غناء تدار يدويا بدون كهرباء.. المقاهي في تلك الحقبة كان لها دور اجتماعي وسياسي ونضالي ضد الاستعمار.. مقهى مطلة على سوق البلدة حيث تتجمع دكاكين التجار والقصابين؛ من بينهم دكان أبي القصاب الملقب بـ "البكوش"، والحرفيين وباعة "المرڨوم" تلك الزربية التي ذاع صيتها في كل البلاد التونسية والتي كانت تقام لها سوقا أسبوعية لتروج النساء منتوجاتهن فيه بالمزاد العلني وبشفافية تامة تنصف مجهوداتهن ويتلقين منها مقابلا محترما.. والذي أقامت لها البلدة بعد ذلك مهرجانا سمي بـ "مهرجان المرڨوم".. وغير بعيد من كل هذا تجد "الكنيف" حيث يركن المارة القادمين من جهات مختلفة عرباتهم للتسوق والاستراحة  و"زاوية سيدي احمد" و"زاوية سيدي بوعلي" التي تعلمنا فيها الحفظ والخط والتصوير على الألواح.. و"القوس" الذي يحمل طابعا معماريا مميزا يروي قصص الأجداد والذي مُحِيَ أثره الآن ولا أدري لماذا؟!..

  (نجيب)


jeudi 4 juin 2026

ثم يمارس الزمن عمله الأزلي


     ثم يمارسُ الزمنُ عملَه الأزليَّ، بإتقان وهدوء. يدخل الطفل المدرسة فتشاركه الأمُّ أصدقاءه. ثم يدخلُ الجامعة فتشاركه أحلامَه. ثم العمل، فالحب، فالأسرة. وتتكاثرُ مسؤوليات الحياة حوله كما تشتجرُ الأغصانُ حول جذع شجرة نحيل. عالم بعد عالم، ودائرة وراء دائرة. ومع كل دائرة تتراجع الأمُّ خطوةً إلى الخلف، حتى تختفي تمامًا من المشهد، الذي كانت تحتلّه بكامله يومًا ما.
يحدث ذلك تدريجيًّا قبل اللحظة التي تسمعُ فيها الأمُّ صوتَ الإقصاء الكامل، صوتَ الاستغناء. مكالمات أقصر. تتباعد. أخبارٌ عن ابنها تعرفها من الغرباء. قرارات مصيرية لم تُستشَر فيها. وشيئًا فشيئًا تكتشف أن الطفل الذي كانت تمسك يدَه ليعبر الطريق، أفلتَ يدَها وعبر الحياة وحده، دون حتى أن يلتفت ليرى إن كان بوسعها السير.  
    (مقتطف من مقال بجريدة "المصري اليوم")
            (حبي لكم 💚 فاطمة ناعوت)

mardi 2 juin 2026

خريف العلاقات

 

    "رحلة الى اللا شيء "
نحن لا نشيخ عندما يشير التاريخ إلى يوم ميلادنا البعيد...
لا نشيخ حين يغزو الشيب رؤوسنا،
ولا عندما تضعف أبصارنا فتصبح النظارة رفيقة أعيننا،
ولا حين تتساقط أسناننا بعد سنوات طويلة من الصبر والعمل.
نحن نشيخ...
حين يرحل عزيز ونبقى نحمل فراغه في قلوبنا،
حين تشتاق آذاننا إلى كلمة حب فلا تجدها،
حين يعبر خريف العلاقات فتتساقط من حولنا وجوه ظننا أنها باقية.
نشيخ عندما نبتسم رغم الحزن،
وعندما تشرق الشمس وتغيب دون أن نجد من نشاركه تفاصيل يومنا الصغيرة،
وعندما يصبح الصمت أطول من كل الحوارات.
نحن لا تشيخنا السنوات بقدر ما تشيخنا الخسارات،
ولا يرهقنا الزمن كما ترهقنا الغيابات.
نشيخ حقًا...حين تهرم قلوبنا.. 
عندما تتعب من الانتظار،
وتسبق الأرواحُ الأجسادَ إلى نهاية المطاف .
      (منقولة ومنقحة بقلم سونيا بوماد)

Pages

Membres