vendredi 19 juin 2026

النرجسية الخبيثة

 

   النرجسية الخبيثة وتدمير الذات عند إيريك فروم..
   يُمثّل انتقال الاهتمام بالذات من مساحته الصحية المبررة إلى مساحة التدمير الإقصائي واحدة من أعقد الإشكاليات التي عالجها التحليل النفسي. يقوم إيريك فروم بتشريح مفاهيمي عميق لظاهرة النرجسية، متجاوزاً التعريف الفرويدي الكلاسيكي الذي ربطها حصراً بمراحل النمو الطفولي أو الرغبات اللبيدية الموجهة نحو الذات. ينقل فروم المفهوم إلى مستوى سوسيولوجي وأخلاقي بالغ الخطورة، مؤسساً لما أسماه "النرجسية الخبيثة" (Malignant Narcissism)، كعنصر محوري في تفسير التدمير غير العقلاني.
تتأسس أطروحة فروم على التمييز الحاسم بين النرجسية الحميدة والنرجسية الخبيثة. في النرجسية الحميدة، يرتبط اعتزاز الفرد أو الجماعة بجهد موضوعي أو إنجاز فعلي (مثل الاعتزاز بعمل فني أو ابتكار علمي)، مما يبقي الفرد مرتبطاً بالواقع وبضرورة الاستمرار في العمل. أما في "النرجسية الخبيثة"، فإن موضوع التمجيد ليس إنجازاً أو فعلاً، بل هو "الكينونة الخالصة" والصفات الموروثة غير المكتسبة، كأن يعتز الفرد بجسده، أو دمه، أو عرقه، أو دينه، لمجرد أنه يمتلكها دون أي جهد.
يُجادل فروم بأن خطورة النرجسية الخبيثة تكمن في انفصالها التام عن العقلانية والواقع الموضوعي. بالنسبة للشخص أو الجماعة المصابة بهذه النرجسية، يصبح كل ما يخصهم هو "الخير المطلق" وكل ما يقع خارجهم هو "الشر المطلق". ونظراً لأن هذا التمجيد غير مبني على إنجاز حقيقي، فإنه يعاني من هشاشة داخلية مرعبة؛ مما يجعل أي نقد خارجي، مهما كان عادلاً أو منطقياً، يُفسر على الفور كـ "تهديد مميت" يمس الذات. هذا التهديد المتوهم يستوجب، في نظر النرجسي، رداً انتقامياً ساحقاً لحماية صورته المتضخمة.
يخلص فروم إلى أن النرجسية الخبيثة تمثل حالة قصوى من الاغتراب وتطابقاً مع "النيكمروفيليا" (عشق الموت والدمار). الفرد في هذه الحالة يفقد القدرة على الحب (الذي يتطلب الاعتراف بالآخر ككيان مستقل)، ويتحول إلى كائن مغلق على ذاته، لا يسعى للنمو، بل يكرس طاقته لتدمير كل ما لا يتطابق مع صورته الوهمية، مما يقوده في النهاية إلى تدمير ذاته والعالم من حوله.

                                                 (منقول)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres