mercredi 10 juin 2026

النسيان

 

     الغياب لا يبدأ عندما يرحل الإنسان، بل عندما تتوقف الذاكرة عن استدعائه... عندها فقط يصبح الماضي أرضاَ لا يمكن الوصول إليها.
حين نطرد الذكريات من أرواحنا
يظن الناس أن أصعب قرار يمكن أن يتخذه الإنسان هو إخراج شخص من حياته، لكن الحقيقة أكثر تعقيدا من ذلك، فالأشخاص الذين يغادرون يبقون واقفين على أبواب الذاكرة، يحملون دائما احتمال العودة، حتى وإن طال الغياب. 
قد نغلق الأبواب، وقد نعلن النهاية، وقد نمارس كل أشكال النسيان، لكن ما دامت الذكريات حية في داخلنا فإن طريق الرجوع يظل موجودا.
إن الإنسان لا يعود إلى إنسان آخر بسبب الحاضر، بل يعود بسبب الماضي،  يعود إلى الضحكة التي لا تزال عالقة في ذاكرته، وإلى لحظة دفء لم يمت أثرها، وإلى تفاصيل صغيرة رفض الزمن أن يمحوها. لذلك فإن الذكريات ليست مجرد صور محفوظة في العقل، بل هي الجسور التي تربطنا بكل من عبروا حياتنا.
وحين نقرر إخراج شخص من حياتنا، فإننا في الحقيقة لا نكون قد أنهينا القصة بعد. النهاية الحقيقية لا تبدأ إلا عندما نخرج ذكراه من داخلنا. 
عندها فقط يصبح الغياب كاملا، ويصبح الرجوع مستحيلاً. فالشخص قد يعود إذا بقيت له غرفة في الذاكرة، أما إذا هُدمت تلك الغرفة فلن يجد مكانا يعود إليه.
الذكريات هي الوطن الأخير للعلاقات... عندما نفقد الأشخاص نبكي، لكن عندما نفقد ذكرياتهم نصبح غرباء عنهم تماما، ولذلك فإن محو الذكرى ليس فعل نسيان عابر، بل عملية تحرر مؤلمة تشبه اقتلاع الجذور من الأرض. 
إنها لحظة يقرر فيها القلب أن يتوقف عن استحضار ما كان، وأن يمنح نفسه فرصة العيش دون انتظار.
ربما لهذا السبب يخاف الإنسان من نسيان من أحب أكثر مما يخاف من فقدانه. لأن الفقد يترك بابا مواربا للأمل، أما النسيان فيغلق الأبواب كلها. 
فالأشخاص يمكن أن يعودوا، لكن الذكريات إذا رحلت حقا لا تعود كما كانت أبدا.
وفي النهاية، ليس الانتصار أن نخرج الأشخاص من حياتنا، بل أن نصل إلى مرحلة لا تعود فيها ذكراهم قادرة على استدعائنا إلى الوراء. فحين تموت الذكريات، تموت معها الطرق المؤدية إلى العودة، ويولد داخلنا إنسان جديد لا يسكن الماضي، بل يمضي نحو المستقبل بخفة.
  بعض الأبواب لا تُغلق بالمفاتيح، بل بالنسيان.
                   (🖋خالدة غوشه)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres