ريح وذرف
الفصل العاشر
يأخذنا هذا الفصل إلى آخر السوق البلدي بوذرف، حيث كانت تنتهي صفوف الدكاكين وتبدأ حكايات الرجال الذين صنعوا بجهدهم اليومي جزءًا من ذاكرة البلدة. هناك لم تكن المحلات مجرد أماكن للبيع والشراء، بل فضاءات للتعارف والتواصل وتبادل الأخبار، حتى أصبح لكل دكان قصته ولكل صاحب حرفة مكانته في وجدان الناس.
في ذلك الركن من السوق كان عم علي الكستوري، المعروف بلقب شهر "الملوح"، يقف أمام محل الجزارة الذي عرفه به أهل وذرف. كان صوته الجهوري يسبق حضوره، فينادي على حرفائه بطريقته الخاصة التي ألفها الجميع. ولم يكن مجرد جزار يبيع اللحم، بل كان صاحب نكتة وحكاية، يمازح هذا ويستقبل ذاك، فيجعل من زيارة محله مناسبة للحديث والابتسام بقدر ما هي مناسبة للتبضع. وكان كثير من المارة يتوقفون عنده ولو للحظات، يتبادلون معه التحية أو يشاركونه تعليقًا عابرًا على أحوال السوق والبلاد.
وبالقرب منه كان عم عبد الله بالتهامي تومي يباشر عمله في بيع الخضر والغلال. ورغم أنه كان كفيف البصر، فقد كان مثالًا نادرًا للإرادة والاعتماد على النفس. كان يعرف مكان كل سلعة من سلعته، ويميز زبائنه من أصواتهم، ويتعامل مع البيع والشراء بثقة ودقة أثارت إعجاب الجميع. لم يكن ينتظر عطفًا من أحد، بل فرض احترامه بعمله الجاد وشخصيته القوية. وكان من يجهله يظن أن بإمكانه التحيل عليه، لكن سرعان ما يكتشف أن الرجل يتمتع بذكاء ويقظة لا تقلان عن قوة قبضته التي اشتهر بها. وقد بقيت قصص كثيرة تتردد على ألسنة أهل السوق عن محاولات بعض المغالطين خداعه، لتنتهي جميعها بخيبة أصحابها واحترامهم للرجل الذي عرف كيف يحفظ كرامته ومكانته بين الناس.
أما عم التجاني مجدوب، الملقب بـ"ولد اليطني"، فكان دكانه الصغير يتوسط المسافة بين محل "شهر الملوح" ودكان عم عبد الله. وهناك مارس الحلاقة والحجامة معًا، مستعينًا بخبرة طويلة اكتسبها عبر السنوات. ولم يكن محله مكانًا للخدمة فقط، بل مجلسًا يوميًا يتردد عليه الرجال لتبادل الأخبار وسماع الطرائف والنوادر. فكثيرًا ما كانت الضحكات تتعالى من داخله، فيلتفت المارة لمعرفة سببها، فيجدون عم التجاني يروي حكاية أو يطلق دعابة جديدة تزيل عن الجالسين شيئًا من عناء يومهم.
وعلى مقربة من ذلك الركن كان دكان عم رمضان الزريبي، الرجل الذي ارتبط اسمه بالخبز ورائحته الزكية. فقد كانت كوشة الزريبة التي تشتغل في حاف الزريبة جزءًا من سيرته التي عرفها أهل الجهة، بينما كان دكانه بالسوق البلدي مقصدًا للراغبين في شراء الخبز الطازج. غير أن قيمة المكان لم تكن في الخبز وحده، بل في الجلسات التي كانت تنعقد داخله وحوله. فهناك كان الأحباب والأصدقاء يلتقون بعد عناء العمل، يحتسون الشاي الأحمر ويتبادلون أطراف الحديث في شؤون الزراعة والمواسم وأخبار الناس. وكانت رائحة الخبز الساخن تختلط ببخار الشاي، فتمنح المكان دفئًا خاصًا لا ينساه من عاش تلك الأيام.
ولم يكن بعيدًا عن هذه المحلات مقهى عم امحمد قراسي، المعروف لدى الجميع باسم "بن قيز". وكان المقهى بمثابة القلب النابض لذلك الجزء من السوق. يجلس فيه الفلاحون القادمون من الأرياف المجاورة، والتجار الذين أنهوا صفقاتهم، والمسافرون الذين استراحوا من عناء الطريق. هناك كانت تتلاقى الأخبار القادمة من مختلف الجهات، وتدور النقاشات حول أحوال المواسم الزراعية وأسعار المنتجات وأحداث البلاد. وكانت فناجين القهوة وأكواب الشاي ترافق أحاديث تمتد أحيانًا لساعات طويلة.
ومع تقدم النهار كانت حركة السوق تزداد نشاطًا. تتعالى الأصوات وتتقاطع النداءات، ويتحرك الناس بين الدكاكين في مشهد يعكس حيوية البلدة وتماسك مجتمعها. كان الجميع يعرف الجميع تقريبًا، ولذلك لم تكن العلاقات محكومة بالمصلحة وحدها، بل كانت تقوم على المعرفة والثقة والاحترام المتبادل. وكان السوق في كثير من الأحيان مكانًا لحل الخلافات الصغيرة وتقريب وجهات النظر، تمامًا كما كان مكانًا لعقد الصفقات وشراء الحاجيات.
ثم ينتقل بنا المشهد إلى "سانية السبعي"، ذلك الفضاء الواسع الذي كان يحتضن سوق السبت الأسبوعي. فمنذ الساعات الأولى للصباح تبدأ الوفود بالتوافد من القرى والمناطق المجاورة، محملة بمختلف السلع والمنتجات. وتتحول السانية إلى عالم واسع يعج بالحركة والألوان والأصوات. هنا بائع خضر، وهناك تاجر مواشٍ، وفي ناحية أخرى تُعرض الملابس والأواني والأدوات المختلفة، بينما يتنقل المتسوقون بين الأروقة بحثًا عما يحتاجونه.
وكان سوق السبت أكثر من مجرد موعد تجاري أسبوعي؛ فقد كان مناسبة اجتماعية ينتظرها الجميع. يلتقي فيه الأقارب والأصدقاء بعد أيام من الانشغال، ويتبادل الناس الأخبار والتهاني، وتُنسج فيه علاقات جديدة وتُجدد أخرى قديمة. لذلك ظل السوق جزءًا أصيلًا من حياة وذرف وذاكرتها الجماعية.
وهكذا لم يكن سوق وذرف، بسوقه البلدي وسوق السبت بسانية السبعي، مجرد فضاء للبيع والشراء، بل كان مدرسة للحياة ومرآة صادقة للمجتمع المحلي. فيه تجلت قيم العمل والتضامن والاعتماد على النفس، ومن خلاله تعرّف الناس إلى بعضهم بعضًا وتقاسَموا أفراحهم وهمومهم. ولذلك بقيت صور رجاله ونسائه، وأصوات باعته، وروائح الخبز والشاي، ودفء اللقاءات اليومية، حاضرة في الذاكرة، شاهدة على زمن جميل ما زال يسكن وجدان أبناء وذرف جيلاً بعد جيل.
(منجي كرستة)
**********
ملحق إضافي من تأليفي أنا "نجيب قراسي"
أشكر كل ما تفضل به السيد "منجي كرستة" كان وصفه رائعا وحقيقيا وواقعا عشناه بكل حب، لكن لا بد لنا أن نعتذر لعديد الشخصيات التي لم تذكر في مقاله هذا، وكان حضورهم أيضا مميزا ورائعا، ولمزيد الإفادة أضيف ما يلي:
مدينة "وذرف"، كانت كما عاشها جيلي أي جيل الخمسينات والستينات، عبارة على قرية صغيرة كنا نطلق عليها "دورة الطبال" التي تقام في مناسبات الأفراح والأعياد، تعبيرا على صغرها.. بداياتها ترويها جغرافيتها، فـ "جامع الصلبان" كما ينعته البعض؛ الذي يتصدر السوق قديما؛ كان كنيسة على ما يبدو منذ عهد الرومان.. وشارعها الرئيسي يمتد عبر حي "لواتة" حيث عين "سيدي طاهر" و"زاوية سيدي طاهر" ليقطع "وادي المالح" حيث "ظهرة الشڨاف" و"الرويجل" ومنه إلى ما يسمى بـ "ذراع وذرف" ليمتد إلى "العمارات" والطريق الرئيسة رقم1 للبلاد التونسية.. أما السوق حيث تمركزت بجانبه أول مقهى ألا وهي مقهى "صالح بنڨيز ڨراسي" الذي هو جدي والذي جاءهم لأول مرة بمكنة غناء تدار يدويا بدون كهرباء.. المقاهي في تلك الحقبة كان لها دور اجتماعي وسياسي ونضالي ضد الاستعمار.. مقهى مطلة على سوق البلدة حيث تتجمع دكاكين التجار والقصابين؛ من بينهم دكان أبي القصاب الملقب بـ "البكوش"، والحرفيين وباعة "المرڨوم" تلك الزربية التي ذاع صيتها في كل البلاد التونسية والتي كانت تقام لها سوقا أسبوعية لتروج النساء منتوجاتهن فيه بالمزاد العلني وبشفافية تامة تنصف مجهوداتهن ويتلقين منها مقابلا محترما.. والذي أقامت لها البلدة بعد ذلك مهرجانا سمي بـ "مهرجان المرڨوم".. وغير بعيد من كل هذا تجد "الكنيف" حيث يركن المارة القادمين من جهات مختلفة عرباتهم للتسوق والاستراحة و"زاوية سيدي احمد" و"زاوية سيدي بوعلي" التي تعلمنا فيها الحفظ والخط والتصوير على الألواح.. و"القوس" الذي يحمل طابعا معماريا مميزا يروي قصص الأجداد والذي مُحِيَ أثره الآن ولا أدري لماذا؟!..
(نجيب)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire