mardi 25 août 2026

من أين أتى قيس سعيد؟

 

     من أين أتى قيس سعيّد؟ لا شكّ أنّه لم يأت من السّماء، بل هو نتيجة صيرورة تاريخيّة لها أسبابها وحيثيّاتها ومنطقها الدّاخلي... هذه البداهة تتجاهلها النّخبة والعامة على حدّ سواء، لتصبح قراءتهم السياسيّة أو التاريخيّة للواقع مشخصنة ومسطّحة، هذا إن لم تكن تنطوي على الغشّ والتحيّل والضّحك على الذّقون.
بالحدّ الأدنى من المنطق، ومن زاوية نظر نفسيّة وسوسيولوجيّة على الأقلّ، يمثّل قيس سعيّد بالنّسبة إليّ عودة مكبوت الثّورة المخذولة أو المغدورة أو الفاشلة، بصيغة مشوّهة عنوانها الضّياع والخبط العشوائي. وأيّ قفز على هذا المعطى الرّئيسي يؤدّي إلى شيء واحد هو العقم والدّوران في حلقة مفرغة.
لا أحد بإمكانه أن ينكر الرّاحة النفسيّة الكبرى التي أحسّ بها ألاف وربّما ملايين من التونسيّين عقب تجميد البرلمان يوم 25 جويلية 2021، دون أن يفكّروا أصلا في الصيغة الانقلابيّة لهذا الحدث. لقد كان ذلك بمثابة حجارة عملاقة انزاحت من فوق الصّدور، جعلتنا نستعيد الأنفاس ولو لساعة واحدة.
هل نسيتم السيرك البرلماني للنهضة وائتلاف الكرامة وقلب تونس وتحيا تونس والحزب الدّستوري الحرّ وأحزاب السياحة السياسيّة والاسترزاق السّياسي وكيف رأينا جميع أنواع الويلات على مدى خمس سنوات حيث أصبحت السياسة حقلا للبلطجة والفتوّة أمام انهيار النسيج الاجتماعي ومؤسسات الدّولة والقطاعات الحيويّة الاستراتيجيّة التي تخصّ الصحة والتعليم والنّقل والغذاء والميزانية العموميّة وغيرها؟
عشنا الخراب ذاته قبل ذلك منذ انتخابات أكتوبر 2011 وصعود حركة الخراب إلى السّلطة. عبثت حركة النّهضة بالدّولة ودمّرت المجتمع. هل علينا التّذكير بالعمليات الإرهابية اليوميّة في الشعانبي ووسط العاصمة وفي سوسة وباردو وجندوبة والقصرين وبنڨردان ؟؟ هل علينا التذكير بالخيمات الدعويّة والتحريض على القتل في الجوامع والاغتيالات السياسيّة والتسفير إلى بؤر التوتّر وتغلغل الحركات الإرهابية على كلّ شبر من البلاد؟ هل علينا التذكير بالمال السياسي الذّي يأتي من الخليج ومن المنظمات الإخوانية في العالم والذي دمّر حلم الديمقراطية بأكمله؟ هل علينا التذكير بإهدار المال العام وإثقال ميزانيّة الدّولة بالانتدابات العشوائيّة تحت الولاء الحزبي دون تفكير ولو للحظة واحدة في المستقبل القريب إلى أن تجمّدت الرواتب لاحقا وانقطع انتداب الأساتذة والأطباء والمهندسين وكوادر الدّولة لصالح الحظائر والبستنة والوظائف الوهميّة أو الزائدة أصلا عن الحاجة؟ هل علينا التذكير باختلاس أموال الدّولة والعبث بعلاقات تونس الخارجية جراء ولاءات حزبية عديمة الكفاءة والضمير والتي تعاملت مع الثورة أصلا بعقلية اقتسام الغنيمة وأنا وبعدي الطوفان؟ هل علينا التذكير بالاعتقالات العشوائية للمتظاهرين وبالتشفي في جرحى الثورة والتنكيل بهم وبحوادث النقل اليومية برّا وبحرا وبموت العمل السياسي بوصفه تسييرا عقلانيّا للشّأن العام كي يتحوّل إلى مناظرات بخسة وبلهاء حول الدّين والشريعة والهويّة وتعدّد الزوجات ؟ هل علينا التذكير بتحطّم السلّم الاجتماعي، بانتحار الأطفال والانقطاع المبكّر عن الدّراسة وانتشار الجريمة والمخدّرات وتقهقر الجامعة التونسيّة إلى أسفل الأمم؟ هل علينا التّذكير بالفشل الذّريع لما يُسمّى بالانتقال الدّيمقراطي والمصالحة الوطنيّة وبالتّداعيات الكارثيّة لذلك حيث أنّه سبّب حربا أهليّة صامتة ومتواصلة وجعلنا معلّقين في نقطة تاريخيّة بعينها ندور حولها إلى ما لا نهاية بصراعات لا علاقة لها بالسياسة بل هي فحسب مجرّد بلطجة أساسها العنف والثرثرة وتعميم الجهل؟ أم علينا القول إنّ ذلك بداهة يتجاهلها الجميع من أجل مواصلة الاستمتاع بالدّوران في حلقة مفرغة وعقيمة بما أنّ ذلك يعفيهم من التّفكير الجدّي والشّعور الجدّي بالمسؤوليّة بل ويريحهم في منطقة الكسل والكذب على الذّات؟
نعم قيس سعيّد هو عودة مكبوت ثورة فاشلة، وانتقام تاريخي داخل صيرورة تاريخيّة لها منطقها الدّاخلي وعلى رأسه فشل كلّ النّخب السياسيّة "الديمقراطيّة"، فشلها التنظيمي، فشلها السيّاسي، فشلها المعرفي، فشلها التّكتيكي، وفشلها في قراءة الواقع واستشراف المستقبل، بل إنّ هذه النّخب وعلى رأسها اليسار، ظلّت تغذّي تورّمها النّرجسي وبقيت عاجزة عن الخروج من الصّبغة النضاليّة والاحتجاجيّة والزعاماتيّة وأحيانا النكوصيّة والنوستالجيّة لأنّ ذلك يمثّل إليها منطقة مريحة تعفيها من المسؤوليّة ومن جهد الخروج من إديولوجيات جاهزة وأفكار جاهزة بل وأنظمة فاشلة لا تستجيب أصلا إلى الواقع السياسي بمختلف تعقيداته.
عجيب كيف ندور في هذه الحلقة المفرغة دون أن نخجل من أنفسنا. 
بأيّ وجه يخرج أنصار الحزب الدّستوري إلى الشّارع وهم لم يعترفوا بعد بجرائم بن علي وأصهاره؟ هل ينسى هؤلاء أنّ وضعنا الحالي سببه الرئيسي هو بن علي وزبانيته رأسا؟ هل نسي هؤلاء أنّ عماد الطرابلسي بمفرده كان يستحوذ على ميناء رادس بأكمله؟ وأنّ الطرابلسيّة استحوذوا على البنوك وشراكات الاستيراد والتّصدير وعلى الفلاحة والموبيليا والكحول والتبغ والإعلام والمدارس الخاصّة وغيرها؟ هل نسوا أقبية وزارة الداخليّة ؟ هل نسوا القنّاصة والرصاص الحيّ منذ الحوض المنجمي إلى ما بعد 14 جانفي؟ هل نسوا الدّولة البوليسيّة التي كانت تخنق الجميع دون استثناء ما عدا أذيال التجمّع؟ 
وبأيّ وجه يخرج أنصار النّهضة ومن لفّها من أحزاب الخراب إلى الشّارع والحال أنّهم هم من دمّروا البلاد والعباد بشتّى أنواع الجرائم السياسيّة والمدنيّة والماليّة والتشريعيّة والاقتصاديّة والتعليميّة والصحيّة والبيئيّة؟ أليسوا هم السّبب المباشر فيما وصلنا إليه الآن من خراب مضاعف وانسداد أفق؟ أليسوا هم أنفسهم من أوصلوا قيس سعيد إلى الحكم؟
وبأيّ وجه يتكلّم "زعماء" (الكرتون) من اليسار والحال أنّهم دمّروا جبهتهم بأيديهم وطردوا منها محرّكها الرّئيسي من شباب فاعل ومتّقد له رغبة حقيقيّة في بناء المستقبل؟
عن نفسي، لا أرى شخصي منتميا إلى أيّ حراك، فأنا أشعر بالتقزز. ولستُ من أدعياء الإقصاء السّياسي فهذا ترف لا أدّعيه. ولستُ من مناصري قيس سعيّد مطلقا فأنا أرى الخراب والضياع على المباشر ابتداء من حياتي الخاصّة وصولا إلى الدولة.
ولكن، كيف يمكن لمعارضة أن تتوحّد فيما هي أصلا تضمّ أطيافا من المجرمين والعاجزين والمتسبّبين رأسا في الخراب الحالي، دون أن يعترف أحد منهم بأخطائه أو يقوم بنقده الذّاتي  أو يعبّر فعلا عن نيّته في بناء مستقبل برؤى مغايرة وأفكار مغايرة وخطط مغايرة؟ 
وهل أنّ بقايا النّهضة أو الحزب الدّستوري أو النخبة السياسية الفاشلة سواء أكانت شريكة في الحكم يوما أو خارج دائرة السّلطة، قادرة فعلا على نقد نفسها والاعتذار علنا من شعب نكلت به أو على الأقلّ خذلته ولعبت به؟
المعارضة التي لا تعترف بجرائم بن علي وجرائم النّهضة وجرائم المرتزقة من الأحزاب والتكتلات السياسيّة، والتي لا تقدّم نقدا جذريّا للماضي، والتي لا تعتذر علنيّا عن كلّ ذلك، من أجل مصالحة سياسيّة ووطنيّة فعليّة قائمة على الحقائق الفعليّة وعلى رؤية جدّية لمستقبل البلاد تحت أفق المصداقيّة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والحريات، لا يمكن لها أن تتوحّد مطلقا، ولا يمكن لها مطلقا أن تكوّن جبهة سياسيّة محترمة وذات مصداقيّة وفاعليّة في الشّارع، إن تمكّنت من ذلك، فهي ستعيد رسكلة الخراب إلى ما لا نهاية، وإلّا فهي ظاهرة صوتيّة أو مجرّد تجمّع عشوائي ورجراج لا يقف على أيّة أرضيّة سياسيّة حقيقيّة. 
انتهى..   (منقول)

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Pages

Membres