رهينة القماش
🔴 رهينة القماش
ماذا لو استيقظت يوما..
وأنا رجل..
على أمر يأمرني أن أُغطي شعري أو جزءًا من جسدي..
بحجة أن هذا أكثر احتشاما وأقرب إلى الله..؟
سأطرح السؤال على نفسي :
هل الاحتشام فعل داخلي مرتبط بالضمير..
أم أنه هندسة خارجية..
تُفرض على الجسد لتطويعه وفق معايير الآخرين..؟
لكن في تونس..
لم يكن هذا التحوّل صدفة..
فمنذ أواخر السبعينات وبدايات الثمانينات..
ومع المدّ الذي حمله الإسلام السياسي إلى الجامعات والشوارع..
بدأ الجسد يُستخدم كلغة سياسية..
الحجاب لم يكن مجرد <تدين > بل كان شارة انتماء..
ورمز تحد لسلطة الدولة التي رأت في تغطية الرأس إعلانا صامتا عن مشروع سياسي أكبر..
ثم جاءت الموجة الوهابية في التسعينات..
متدثرة بثوب الدين..
لكنها محمّلة بثقافة غريبة عن البيئة التونسية..
ثقافة تقسيم الناس بالمظهر..
وقياس الأخلاق باللباس..
وربط الإيمان بخيوط القطن والحرير...
وهكذا..
تحوّل القماش إلى وثيقة انتماء..
وبدأنا نرى تنافسا على من يلفّ أكثر..
لا من يحترم أكثر..
نسينا أن السفساري..
الجبة..
والملابس التقليدية كانت خيارات جمالية وثقافية..
لا أوامر إلهية..
نسينا أن الاحتشام في جوهره إحساس داخلي..
لا استعراض خارجي...
واليوم..
حين ننظر إلى الوراء..
ندرك أن الحجاب لم يدخل تاريخنا كتطور طبيعي..
بل كاستيراد أيديولوجي..
دخل بقرار غير معلن..
وتسلل إلى البيوت قبل العقول..
حتى صرنا نحرسه كأنه هو الدين نفسه..
وربما آن الأوان..
لا لنخلعه عن الرأس فقط..
بل لنفككه في المعنى..
ونعيده إلى حجمه الطبيعي:
خيار شخصي.. لا صك إيمان..
فالمسألة..
في عمقها لم تكن يوما عن قطعة قماش..
بل عن حرية إنسان أن يكون ذاته..
بلا خوف من وصمة ولا ضغط من سلطة..
سواء كانت سلطة الدول..
أو سلطة المجتمع..
أو سلطة النصوص المؤوّلة..
إنها معركة الإنسان مع فكرة التملّك بالجسد..
ومعركة الروح لتبقى حرة..
حتى أمام أكثر الأوامر قداسة.
(منقول)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire