لا قيمة لدين بلا عقل
العقل يجب أن يكون هو أصل التدين، إن كنا بحاجة إلى دين.. لاقيمة لأي دين بلا عقل يوجهه، العقل هو "مناط التكليف" والشرط الأول للمحاسبة والمسؤولية.
بالعقل وحده يميز الإنسان بين الحق والباطل، وبه يستقبل الرسالة ويدرك صدقها. ومن هنا، فإن العقل هو الحجة الأولى والأسمى التي يمتلكها الكائن البشري لمعرفة الحقيقة والوصول إلى تصور للخالق.
إن تقديم أي فهم بشري تاريخي(التراث) على حجية العقل هو قلب لتراتبية الكون والتكليف والمسؤولية.
من الحنابلة إلى سياسة القمع وعلى مر العصور، نشأت، موانع صلبة حجبت العقل عن ممارسة دوره، وحولته من مرجعية حاكمة إلى متهم دائم.
لقد تمثلت هذه الحوائل تاريخياً في:
التمسك بحرفية النص المجرّدة التي تبلورت مع الإمام أحمد بن حنبل وتعمقت مع ابن تيمية.
ورغم ما تميزت به هذه المدرسة من اتساق وثبات في مواجهة التأويل، إلا أنها أفرزت جداراً يرفض إعمال العقل النقدي في الفقه، ويصادر قدرة الإنسان على التفاعل الفكري مع تغيير الوقائع وتنوع الامكنة.
التحالف القمعي بين الفقه والسياسة:
وهو الجدار الذي اصطدم به الفيلسوف ابن رشد. فرغم محاولته الرصينة لإيجاد نقاط اتصال برهانية بين الحكمة (الفلسفة) والشريعة، إلا أن سلطة الفقهاء المتحالفة مع السلطة السياسية كفّرته وأحرقت كتبه ونفته، دفاعاً عن مصالحها ومكتسباتها الاجتماعية باسم "النص المقدس".
النفاق الحديث: تجميل النصوص وأكذوبة الإعجاز
لم تتوقف هذه الأزمة في الماضي، بل امتدت إلى العصر الحديث لتنتج نوعاً جديداً من الموانع الفكرية.
ويبرز هنا تيار يسمى بـ"الليبرالية المتأسلمة" أو "الاعتذارية المعاصرة"، يواجه منجزات الحداثة والعلم الهائلة بنفاق رخيص وتجميل كاذب. يزعم هذا التيار أن كل أسرار الكون من كروية الأرض إلى النسبية والهندسة الوراثية موجودة سلفاً في القرآن، عبر ما يُسمى "أكذوبة الإعجاز العلمي".
إن هذا المنهج لا ينفذ إلى جوهر النص كمرشد أخلاقي وروحي، بل يلتف حوله ويحاول تضمين المستجدات الفكرية والسياسية (كالقومية والديمقراطية، والطبيعة والظواهر الفلكية) في آيات نزلت في سياقات تاريخية مغايرة، مما ينتج فكراً تلفيقياً مشوهاً يعوق العقل الحقيقي عن الإنتاج والابتكار.
الجمود السلفي:
قمع الإنسان باسم القداسة.
على الجانب الآخر، تستثمر المؤسسات الدينية والتيارات السلفية هذا الفشل التلفيقي لإعادة إنتاج أدوات القمع. يقف هؤلاء رافضين لكل محاولات التجديد، بقولهم إنها انتهاكاً لقدسية الحرف ومصادرةً لشرعية السلف. إنهم يستغلون "سلطة النص" ويدّعون الدفاع عن المطلق، ليبرروا قمع الإنسان، ومصادرة حريته، وإلغاء عقله النقدي، مستنسخين أدوات التكفير والملاحقة التاريخية ذاتها التي طالت المعتزلة وابن رشد وكل من حاول التوفيق بين الدين والواقع المتغير.
الخلاصة.
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يفرض علينا ضرورة القفز الشجاع فوق كل هذه السدود والوسائط التاريخية. إننا بحاجة إلى تحرير العقل من وصاية المفسرين القدامى وتلفيقات المجددين المحدثين، ليتصل مباشرة بجوهر الدين وأساسه.
الدين في حقيقته وجوهره هو رسالة هداية، وإرشاد، وبناء أخلاقي، ودعوة لعمارة الأرض، وليس قيداً يكبّل العقل البشري أو يمنعه من مواكبة مسيرة العلم والحداثة.
عندما نستعيد العقل بوصفه الحجة الأولى والأساس القطعي للتكليف، سنتمكن من قراءة النصوص بروحها لا بحرفيتها، وسنعيد للإنسان كرامته وحريته التي أردناها أن تكون، بعيداً عن قمع التقليد والتزييف والتجميل والتلفيق.
(منقول بتصرف)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire